ترياق الأمراض النفسية

ما بعد الحادثة المروعة | صدمة تقلب الموازين جميعًا

كأن أحدهم ضغط على زر إيقاف حياتي، بينما يمضي العالم ويتحرك بدوني…

كانت تلك اللحظة التي نشب فيها الحريق في منزلنا، لا زلتُ أتمكن من شم رائحة الدخان الممتزج برائحة الطلاء المحروق…

صوت الصرخات يعلو في أُذنَيَّ حتى يصمَّهما، فأغطي أُذنَيَّ بيدَيَّ علَّ الصرخات تتوقف، لكنها لا تتوقف، وأنغمس في نوبة هلع، حتى يكاد قلبي يتوقف…

ولكن… تمكنتُ من النجاة من صدمة ما بعد الحادثة، واستعدت حياتي من جديد!

فإن كنت تعانيها، فلا بُدَّ أن أخبرك أكثر حتى تطمئن…

النجاة ممكنة، والعالم جميل، وأنت تستحق.

ما صدمة ما بعد الحادثة؟

هي اضطراب نفسي يحدث بعد التعرض لحادثة أو صدمة عنيفة، ولا يُشترَط أن يتعرض الشخص بنفسه للحادثة كي يُصاب بالصدمة؛ بل قد يصاب بها عند رؤيته للأشخاص الآخرين يمرون بحوادث مروعة.

غالبًا ما تبدأ أعراض ما بعد الحادث في الظهور في غضون نصف عام من التعرض له، وتتسم بالتوتر والقلق، والشعور الدائم بالفزع دون أسباب واضحة.

الفرق بين اضطراب التكيف واضطراب ما بعد الحادثة

يعاني بعض الأشخاص -وخاصة المراهقين- صعوبة التكيف مع التغيرات التي تحدث لهم، وقد يؤدي تغيير بعض الثوابت لديهم في اضطرابهم وتفاقم شعور القلق، وميلهم إلى الأفكار الانتحارية.

ويختلف اضطراب التكيف عن اضطراب ما بعد الحادثة، والذي لا بُدَّ من حدوث حادث مروع فيه يعصف بكيان الشخص ويهدد حياته.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

الأسباب

السبب الرئيسي الذي يؤدي إلى إصابة الشخص بالصدمة هو حدوث حادثة مروعة له أو لغيره…

قد تكون تلك الحادثة: هجمة إرهابية، أو اعتقالًا سياسيًا، أو حادثة سيارة، أو عنفًا جسديًا سافرًا على الأطفال، أو اغتصابًا تحت تهديد السلاح، وغيرهم الكثير.

وتشترك الحوادث في طبيعتها المهددة للحياة، التي تدفع العقل لإفراز الهرمونات والنواقل العصبية الكيميائية التي تساعده على تجاوز تلك اللحظات.

ولكن إن استمر العقل في حالة الطوارئ تلك، أو استعاد حالة الطوارئ بعد حدوث الصدمة بفترة، فهذا هو الاضطراب.

وجديرٌ بالذكر أن اضطراب ما بعد الحادث لا يُعزَى لضعف الشخصية، بل إن استجابة المخ الفورية وقت الحادثة هي ما ساعد الشخص على تجاوز الأزمة، وإن دلَّ على شيء فإنما يدل على قوتهم في مجابهة الفظائع.

الأعراض

قد يتعارض اضطراب ما بعد الصدمة مع أداء الشخص لمهامه اليومية المعتادة، وتظهر عليه مجموعة من الأعراض المميزة، وتصنَّف إلى:

أعراض اقتحامية

سمِّيَت بذلك لاقتحام الحادثة عقل الشخص، إذ يتذكر الحادثة بتفاصيلها، وغالبًا تكون كوابيس مروعة في أثناء النوم.

وقد يندفع الشخص إلى أفعالٍ تنم على أنه يعيش الذكرى مجددًا، ولا يتذكرها فحسب، خاصة إن كان هناك شيء ملموس يحفز تلك الذكرى.

كأن يبحث المقاتل المتقاعد عن ملجأ إن سمع أصوات الألعاب النارية، أو يصاب الناجي بنوبة هلع وجمود عند مشاهدته انقلاب سيارة على التلفاز.

أعراض التجنب

تنتج أعراض التجنب عن محاولة الأشخاص نسيان الصدمة، وبذلهم من الجهد العقلي والذهني الكثير في سبيل هذا.

وقد يكون العرض الأكثر شيوعًا هو تجنبهم مكان الحادث، والأشخاص، والملابس، وكل ما يذكرهم به.

لكنهم كذلك يتجنبون مشاعرهم، بدلًا من إقرارها والاعتراف بها، مما يؤدي إلى اضطراب قدرتهم على التعبير عن أنفسهم، واضطراب حقيقة مشاعرهم، والإصابة بالبلادة العاطفية.

تغيرات مزاجية وإدراكية

يضطرب إدراك الأشخاص، ويفكرون بلا منطقية، فقد يلومون الآخرين على ما أصابهم، في حين لم تكن لهم أي يد.

أو قد يلومون أنفسهم على عدم نجاة الآخرين، ويصاحبهم الشعور بالذنب، وتتشوه صورتهم الشخصية أمام أنفسهم.

يتعرض الأشخاص لحادثة مروعة تُفقِدهم الشعور بالأمان والمأوى، وينتج عن هذا الفقد اضطرابات مزاجية تتمثل في القلق المستمر، والحزن العميق، والخوف الدائم غير المبرر.

أعراض انفعالية

تنتج الأعراض الانفعالية من استثارة العقل وتأهبه الدائم لأي حادثة، فيُستثار الشخص من أقل مثير ويصعب عليه الاسترخاء، ويضطرب نومه، ويصبح في توتر أعصابٍ مستمر، مما قد ينفر من حوله منه.

أعراض جسدية

يصاب الشخص بآلام في المعدة حين يتعرض لأي محفز يذكره بالحادث، وقد يصاحبه خفقان في القلب، وارتجاف، وتعرق، وغيرها من الآلام الجسدية.

تلك الآلام قد تكون أعراضًا لاضطراب ما بعد الحادثة، أو أعراضًا لأمراضٍ أخرى. لذا، يلزم استبعاد وجود أي أمراض أخرى.

المضاعفات

قد يؤدي اضطراب ما بعد الحادثة إلى اضطراباتٍ أشد إن لم يعالَج، مثل:

  • اضطراب التكيف.
  • انفصام الشخصية.
  • الشخصية الحدية.
  • اضطرابات الأكل.
  • الاكتئاب الحاد.
  • القلق المزمن.
  • اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع.
  • إدمان المخدرات.

التشخيص

يشخص الطبيب المختص الاضطراب بناءً على استمرار أعراض ما بعد الحادث لشهر أو أكثر، وترجع لتقييمه الشخصي، إذ لا يوجَد اختبار محدد للتشخيص.

وقد يمُرُّ الاضطراب دون تشخيص لفترات طويلة، بسبب تجنب المصاب الحديث حول الحادث.

العلاج

يعالَج الاضطراب ضمن برنامج علاجي على مدى عدة أشهر، ويشمل:

العلاج السلوكي المعرفي

ويهدف إلى مساعدة الشخص على تحديد مثيرات ومحفزات الصدمة، وتغيير استجابته لها، وأن يكون قادرًا على استعادة ذكريات الحادث كاملة دون الإصابة بنوبة هلع، أو اتخاذ ردود أفعال غير منطقية.

وكذلك مساعدة العقل على التعامل مع ألم الذكرى، والتعايش مع حقيقة حدوثها، وتجاوزها.

العلاج الجماعي

في مجموعات الدعم من الأشخاص المصابين بنفس الاضطراب، أو الذين في طريقهم للتعافي، أو المتعافين منه.

يساعد العلاج الجماعي المصابين على تفهُّم مرضهم، والإحساس بالمشاركة، وأنهم ليسوا الوحيدين.

استراتيجية التعامل مع الضغوط

تهدف تلك الاستراتيجية إلى تنمية مهارات الأشخاص في التعامل مع الضغوط المختلفة، وتأهيلهم لمواجهة الضغوط مختلفة الشدة التي قد يتعرضون لها في حياتهم.

إعادة الاندماج

يحتاج المصاب باضطراب ما بعد الحادثة إلى فترة إعادة تأهيل، لتهيئته للاندماج من جديد في المجتمع، مسلَّحًا بأدوات سيطرته على مشاعره، وتعامله مع الضغوط.

الأدوية

تساعد الأدوية على تخفيف حدة الأعراض حتى انتهاء رحلة العلاج النفسي والمعرفي، مثل مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات.

دعم المصابين باضطراب ما بعد الحادثة

دعم المصابين باضطراب ما بعد الحادثة

إن كان أحد أقاربك مصابًا بأعراض ما بعد الحادثة، فأول ما تفعله هو ألَّا تلقي باللوم عليه، وبدلًا من ذلك يمكنك مساعدته بـ:

  • الإصغاء: قد لا يتحدث المصابون باضطراب ما بعد الحادثة عن مشاعرهم بوضوح، لكن معرفتهم بوجودك ورغبتك في الإصغاء لهم تساعدهم على البوح في الوقت المناسب.
  • اختيار الوقت المناسب: وذلك حين يتلاقى استعدادك للإصغاء والاستماع المنتبه مع رغبته في التحدث والإفصاح.
  • انتبه لمشاعرك: رغم أنك لست الشخص المصاب بالاضطراب، إلا أنه من المهم أن تأخذ استراحة حين تشعر بضغط المشاعر الجياشة، إذ لا بأس أن تكملوا المحادثة في وقتٍ لاحق.
  • اطلب المساعدة: بعض الأمور لن تكون قادرًا على تحملها أو التعامل معها بنفسك، مثل أن يتحدث قريبك عن الانتحار. في هذه الحالة، لا تتردد في طلب المساعدة العاجلة.

التعرض لاضطراب ما بعد الحادثة ليس عيبًا شخصيًا، إنما خلل بيولوجي قابل للعلاج. وقد تؤدي محاولات تجنب المحفزات إلى الانعزال عن المجتمع، والشعور بالاستضعاف والظلم.

لكنها ليست النهاية، أؤكد لك أن الخروج من هذه الفجوة ممكن. فلا تحمِّل نفسك فوق طاقتها، واطلب المساعدة، واستمتع بحياتك من جديد!

المصدر
Post-Traumatic Stress DisorderPSYCHOLOGICAL DEBRIEFING FOR POST-TRAUMATIC STRESS DISORDER
اظهر المزيد

Hamas AbdelGhaffar

أهلًا بك، اسمي حماس وأدرس الطب البشري.. يتغير العالم بي وبك، بتلك الخطوات الصغيرة التي نبنيها معًا، فإن قرأت يومًا سطرًا لي وأضاف إليك، فهذا تمامًا ما أسعى إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى