ترياق الأدوية النفسيةترياق الروح
أخر الأخبار

لست وحدك.. عن العلاج الجماعي

في رواية الأجنحة المنكسرة لجبران خليل جبران، نقرأ النص التالي:
“إن النفس الحزينة المتألمة تجد راحة بانضمامها إلى نفس أخرى تماثلها الشعور وتشاركها بالإحساس، مثلما يستأنس الغريب بالغريب في أرض بعيدة عن وطنهما”.

فإذا كنت تعاني من مشكلة نفسية ما، أو ترغب في مشاركة مخاوفك وأفكارك، قد تجد راحتك وسُلواك في واحدة من جلسات العلاج الجماعي، تستأنس فيها بجمع من البشر يشاطرونك الحزن، ويشبهونك في التجارب. 

في هذا المقال، يتجدد لقاؤنا، ونجلس معًا في حلقة هادئة، نتجاذب فيها أطراف الحديث حول العلاج الجماعي: ماهيته، ومبادئه، وما يمكن أن تستفيده منه. 

ما هو العلاج الجماعي

هو أحد أنواع العلاج النفسي، يقوم على عدد من الجلسات يدير دفتها معالج نفسي متمرس. تتكون هذه الجلسات من مجموعة أفراد يشتركون في نفس المشكلة، ويتراوح عددهم عادة من 6 إلى 12 فردًا. 

تمتد الجلسة الواحدة من ساعة إلى ساعتين وتتكرر أسبوعيًا على حسب الخطة التي يتبعها المعالج النفسي. ويمكن للمجموعات العلاجية أن تركز على مشكلة محددة كالاكتئاب أو الإدمان، أو أن تصبح موضوعاتها عامة لتشمل المهارات الحياتية المختلفة التي تساعد المرء على التكيف مع محيطه الخارجي.

وتنقسم الجلسات إلى نوعين:

  • جلسات مفتوحة: يمكنك الانضمام إلى هذا النوع من المجموعات في أي وقت من الأوقات، ويتفاوت المشاركون في مراحلهم العلاجية.
  • جلسات مغلقة: تبدأ هذه المجموعة بعدد ثابت من الأفراد، ولا تسمح بدخول أي أفراد جدد خلال الجلسات.

من المستفيد من العلاج الجماعي؟

يتوقف اختيارك، أو اختيار معالجك لهذا النوع من العلاج النفسي على طبيعة المشكلة النفسية التي تمر بها، وطبيعة شخصيتك، والمرحلة العلاجية التي تقف عندها. 

ومن أمثلة المشاكل النفسية التي قد تحتاج إلى العلاج الجماعي ما يلي:

  • الإدمان والتدخين.
  • اضطراب ما بعد الصدمة.
  • مشاكل السمنة المفرطة.
  • المشاكل الأسرية كالطلاق.
  • الاكتئاب وفقدان شخص عزيز.
  • الأمراض العضوية المزمنة كالسرطان.
  • سرعة الغضب والخجل وانعدام الثقة بالنفس.

ما مميزات العلاج الجماعي

إن انضمامك لمجموعة تناسب شخصيتك يحقق لك المميزات التالية:

يخبرك أنك لست وحدك

وجودك ضمن جلسات العلاج الجماعي، قد يخفف من بعض المخاوف التي تعصف بذهنك، فهناك العديد من الأفراد الذين يمرون بنفس الظروف العصيبة التي تمر بها. 

يوفر لك الدعم بصورة منظمة 

إن عرضك لمشكلتك وسط مجموعة من الأفراد وتحت إشراف معالج نفسي متمرس، يضمن لك الحصول على التشجيع والدعم اللازمين في بيئة آمنة.

يمنحك قدرًا من القوة 

إذ أن مشاركتك وتفاعلك مع قصص من حولك، ومحاولة تقديم الدعم لهم، يعمق إحساسك بنفسك وشخصيتك، ويعزز ثقتك بنفسك وقدرتك على تحليل المشاكل من منظور مختلف.

يطور مهارات التواصل لديك

تساعدك الجلسات على الإتيان بطرق مختلفة للتعبير عن نفسك وتوجيه النصح لمن حولك، كذلك تؤهلك لتقبل التوجيهات والنقد البناء.

يهبك الشجاعة الكافية

قد تشعر بالتوتر في البداية، لكن وجودك في المجموعة المناسبة سيدفعك لمشاركة مخاوفك وخجلك بصوت مسموع.

يؤهلك للتعامل مع المجتمع 

تمثل هذه المجموعات نسخة مصغرة من المجتمع الذي يحيط بك، لذا فإن تفاعلك مع المحيطين بك يعد تدريبًا عمليًا لك، وينبهك للتصرفات التي تؤثر بالسلب على علاقاتك الاجتماعية.

يعلمك دروسًا مستفادة 

يمكن لخبرات الآخرين من حولك أن تلهمك وتدفعك لاكتشاف آفاق جديدة لمشكلتك.

أقل تكلفة من العلاج الفردي

قد تجد في العلاج الجماعي بديلًا اقتصاديًا مناسبًا عن العلاج الفردي. 

ما عيوب العلاج الجماعي

بالرغم من الدور المهم لجلسات العلاج الجماعي، إلا أن هنالك بعض التحديات التي قد تؤثر على اختيارك للعلاج الجماعي، مثل:

مشاكل الخصوصية

على عكس الجلسات الفردية، يمكن أن تخترق خصوصيتك وسرية معلوماتك، وقد يدفعك ذلك لتجنب جلسات العلاج الجماعي. يدير المعالج النفسي دفة الحوار بحنكة بشكل يقلل مشاركة المعلومات الشخصية شديدة الخصوصية، وينصحك بألا تدلي بمعلومات من شأنها اختراق خصوصيتك خارج إطار المجموعة العلاجية. 

الشعور بعدم الراحة

قد تشعر بالخوف لوجودك وسط مجموعة كاملة من الغرباء، وإذا دفعك ذلك للصمت المطبق، فربما لست مرشحًا مناسبًا للعلاج الجماعي.

لا يصلح وحده في التعامل مع الأزمات

إذا كنت تعاني من ميول انتحارية أو مشاكل نفسية حادة بشكل يعجزك عن التواصل بشكل صحيح، أو إذا كان لديك أي ميول عدائية تجاه الأفراد، فقد يؤثر معالجك النفسي بقاءك في جلسات فردية أولًا قبل البدء في العلاج الجماعي.

يبعدك عن مركز الاهتمام

عكس الجلسات الفردية التي ينصب فيها تركيز المعالج على مشاكلك، قد تشعرك الجلسات الجماعية بالبعد عنه، وتولد إحساسًا بالرفض. 

ما مبادئ العلاج الجماعي

ربما تسأل نفسك الآن “لم قد ينجح العلاج النفسي الجماعي؟” 

وضع الطبيب النفسي الأمريكي إيرفين يالوم مجموعة من المبادئ العلاجية التي تمثل أساسيات العلاج الجماعي، ومن أمثلة هذه المبادئ: 

  • العمومية: يدرك كل فرد في المجموعة أنه يتشارك مع الآخرين في نفس المشاكل والمشاعر.
  • الإيثار: يمد المرء يد العون لمن حوله ويدعمهم بالنصح والتشجيع. 
  • غرس الأمل: يشعر المرء بالتفاؤل والأمل في علاجه حينما يسمع قصص نجاح الآخرين ممن سبقوه في رحلة العلاج.
  • الحصول على المعلومات: تساعد الملاحظات التي يقدمها المعالج النفسي، والأفراد المشاركون في المجموعة، على تطوير الذات.
  • تصحيح المفاهيم الأساسية: تعمل هذه الخطوة على تصحيح المفاهيم السلبية المتعلقة بنشأة المرء وذكريات ماضيه.
  • تطوير المهارات الاجتماعية: توفر الجلسات بيئة آمنة للمرء ليختبر سبلًا ووسائل مختلفة للتواصل مع من حوله.
  • المحاكاة والتقليد: يطور المرء من ذاته بتقليد السلوكيات الحميدة التي يقوم بها رفاقه في المجموعة.
  • الانتماء: يشعر المرء بأنه جزء لا يتجزأ من المجموعة، مما ينعكس على سلوكه ويمنحه إحساسًا بالأمان.
  • العوامل الوجودية: يبدأ المرء في تقبل قراراته وما يترتب عليها من أحداث.
  • التنفيس: يترك المرء العنان لنفسه فيطلق عواطفه ومشاعره الحبيسة، ويعبر عن ذاته وكل ما يؤرقه في هذه الجلسات، مما يشعره بالارتياح.
  • التعلم الشخصي: يرى المرء تأثير أفعاله على من حوله، ويفهم ردود أفعالهم، ويسمع آراءهم في تصرفاته.
  • فهم الذات: يدرك المرء الدوافع وراء انفعالاته وسلوكه.

ما أنواع مجموعات العلاج الجماعي

تختلف مجموعات العلاج الجماعي باختلاف الهدف الذي أنشئت لأجله، ويمكن تقسيم هذه المجموعات إلى أنواع مختلفة مثل: 

  • مجموعات المساعدة الذاتية: تعتمد هذه المجموعة على وجود شخص نجح في التغلب على المشكلة المراد تخطيها، ويقوم هذا الشخص بإدارة المجموعة عوضًا عن المعالج النفسي.
  • مجموعات العلاج الدوائي: تركز هذه المجموعة على حث المشاركين على الالتزام بأدويتهم، ومواعيدها، وزيادة وعيهم بالطرق الصحيحة لتناولها.
  • الدراما النفسية (السايكودراما): تعد هذه المجموعة فريدة من نوعها، إذ يقوم الفرد بتمثيل المواقف الحياتية التي تسبب له مشكلة ما، ويمكن للمشاركين التعليق وتوجيه النصح في سياق درامي. 
  • العلاج الجماعي السلوكي: يمكن اللجوء لهذا النوع من المجموعات لتعديل السلوكيات المتعلقة بالإدمان، والسيطرة على الأفكار الخاطئة. اقرأ أيضًا: العلاج السلوكي المعرفي

ولعلك، يا صديقي العزيز، تفتح أبواب قلبك الموصدة، وتعبر عما يجول في رأسك من مخاوف وأفكار. وإني لأدعو لك من أعماق قلبي، أن تجد من الأنس ما يهون مصاعب رحلتك. 

اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق