ترياق الأمراض النفسية

متلازمة المحتال Imposter syndrome | عندما يتحول الإنجاز إلى احتيال!

“أنا لا أستحق!” 

“أنا لا أنتمي إلى هذا المكان!”

“المفترض ألَّا يوجهوا إليَّ هذا الثناء!”

“هذا النجاح كان صدفةً أو حظًّا!”

“متى يكتشفون احتيالي وعدم كفاءتي؟!”

هل ترددت مثل هذه العبارات المحبطة في نفسك من قبل؟ هل فقدت الثقة في قدراتِك؟ هل صرتَ تستنكر المدح والثناء على أي إنجاز حققته؟ هل تسارعت ضربات قلبك وأنت تتمنى ألا يُكتشف خداعُك واحتيالُك؟ هل عانيت في صمت وهذه الشكوك والمخاوف تتصارع بداخلك؟  

هذه المشاعر والأفكار السلبية قد تكون عرضًا لظاهرة تُعرف بـ “متلازمة المحتال“، معًا في هذا المقال سنتعرف أكثر إلى هذه المتلازمة وكيفية التغلب عليها؛ حتى تستعيد الثقة بنفسك وتتمكن من الاستمتاع بحياتك.

ما هي متلازمة المحتال؟

ظاهرة نفسية يمر فيها الشخص بمشاعر وأفكار سلبية ويتصرف بنمط سلوكي معين، تتضمن تشكيك الفرد في نفسه وما حققه من إنجازات، وشعوره المستمر بأنه غير كفء، وخوفه الدائم من أن يُكتشفَ احتياله.

انتشاره شبه متساوٍ بين الجنسين، وعلى الرغم من أنه في بادئ الأمر كان يُعتقد اقتصار حدوثه على المتفوقين في مجالهم، إلا أنه قد يحدث لأي شخص بغض النظر عن وظيفته، أو مستواه العلمي، أو خبراته، أو مهاراته.

لا داعيَ للقلق… فلست وحدك، إذ يعاني معظم الناس مثلك تمامًا، لكنهم يخشون التصريح عن مخاوفهم حتى لا ينفضح احتيالهم، ويفضِّلون المعاناة في صمت!

الأعراض والعلامات الشائعة

أعراض متلازمة المحتال
  • عدم الثقة بنفسك وشعورك بعدم الكفاءة.
  • أن تنسب نجاحك لعوامل خارجية، مثل: المصادفة، أو الحظ. 
  • شعورك بعدم رقيّك للمستوى المطلوب.
  • جلد الذات، مما يزيد من معاناتك الداخلية.
  • بَذلُك لمجهود مضاعف لا داعيَ له، وإنجازُك لأكثر من المطلوب منك.
  • ترددك في طرح أفكارك والتعبير عن آرائك. 
  • عدم السعي للترقي في العمل أو طلب زيادة في الراتب.
  • القلق والتوتر والخوف المستمر من كشف احتيالك.

قد يتحول فقدك الثقة في نفسك وخوفك الدائم إلى قيود تمنعك من الانطلاق والمجازفة والسعي لتحقيق أحلامك، أو حتى تحسين وضعك وتغيير وظيفتك إذا كنت غير راضٍ عنها. 

قد تدخل أيضا بسبب نجاحك في حلقة مفرغة تشكلت من: 

  • الخوف من انكشاف احتيالك.
  • الدافع للإنجاز النابع من قلقك وخوفك.
  • الضغط المستمر على نفسك والمبالغة في الاستعداد.
  • سعيك للمثالية حتى لا يكتشفوا زيفك.

استمرار وجودك داخل هذه الحلقة يزيد من توترك، وقد يصل بك الحال إلى الدخول في نوبات قلق أو اكتئاب. 

أسباب متلازمة المحتال

هناك عوامل عدة قد تؤدي إلى شعورك بأنك مخادع ولا تستحق ما أنت فيه، منها:

  • نشأتُك: سواءٌ أكنتَ طفلًا من عائلةٍ متفوقة، أم طفلًا متفوقًا ومبدعًا بطبيعتِك، فستجدُ نفسَكَ في عناءٍ مستمرٍّ لإثباتِ أنك قدرَ التوقعات. 
  • نمطُ شخصيتِك: يحددُ طريقةَ أدائِكَ لعملِكَ وردَّ فعلِكَ تُجاهَ الضغوطات (سيُشرحُ بالتفصيلِ في أنواعِ متلازمةِ المحتال). 
  • ضغوطاتُ العملِ وكثرةُ المهامِّ المطلوبُ منكَ إنجازُها. 
  • انتقالُكَ لمرحلةٍ جديدةٍ في حياتِك: مثلَ ترقِّيكَ في المراحلِ الدراسية، أو بَدءِ رحلتِكَ في سوقِ العمل، أو تغييرِ وظيفتِك، أو أيةِ تحدياتٍ جديدةٍ قد تمثلُ مصدرًا للقلقِ والخوفِ لدَيك وتُشعرُكَ بعدمِ الكفاءةِ وعدمِ الانتماءِ لهذا المكانِ الجديد. 

تذكر أن القلق عند خوضك تجربة جديدة يعد طبيعيًا، ويختفي بمرور الوقت، ويختلف عن فقدك الشديد الثقة في نفسك، وتشككك المستمر في نجاحاتك، وشعورك الدائم بعدم الكفاءة وأنه في أية لحظة قد يُكشف احتيالك.

أنواع متلازمة المحتال :

صُنِّفَ المحتالونَ في هذه المتلازمةِ إلى خمسةِ أنواع؛ تَبَعًا لأنماطِ شخصياتِهم:

  • الساعي للكمال: كثيرُ القلقِ والتوترِ والشك، دائمُ التركيزِ على أخطائهِ وما كان يمكنُ أن يُنجَزَ بشكلٍ أفضل.
    بدلًا من الاحتفاءِ بإنجازاتِه، يشعرُ بعدمِ الرضا عن ما حققَ معظمَ الوقت. 
  • الخبير: دائمًا يسعى للفَهمِ أكثر ولجمعِ المعلوماتِ والإلمامِ بجميعِ جوانبِ الموضوع، هذا السعيُ المستمرُّ يعطلُهُ ويمنعُهُ من إتمامِ المهمةِ وتحقيقِ هدفِه.
  • البطلُ الخارق: متفوقٌ في جميعِ المجالات؛ عادةً بسببِ ضغطِهِ المستمرِّ على نفسِه، في النهايةِ قد يؤدي به هذا الضغطُ إلى الإرهاقِ الشديدِ والتأثيرِ السلبيِّ في جميعِ جوانبِ حياتِه. 
  • العبقريُّ بالفطرة: لدَيهِ قدرةٌ طبيعيةٌ على تعلمِ المهاراتِ الجديدةِ وإتقانِها بسرعةٍ وسهولة،
    يشعرُ بالإحباطِ والضعفِ عند فشلِهِ في تحقيقِ ذلك من أولِ مرة. 
  • العازفُ المنفرِد: يفضلُ أن يعملَ بمفردِه، لديه اعتقادٌ أن طلبَ المساعدةِ يدلُّ على عدمِ كفاءتِهِ وضعفِه. يرفضُ أيةَ مساعدةٍ تُقدَّمُ له؛ مما يزيدُ من الضغطِ الواقعِ عليه. 

كيفية التشخيص

على الرغم من عدم الاعتراف بمتلازمة المحتال كاضطراب نفسي في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية، إلا أنه مصطلح مألوف للمتخصصين في الصحة النفسية والعقلية. 

يُعتقد أن غالبية الأشخاص يعانون -على الأقل- مرة واحدة في حياتهم من أعراض هذه المتلازمة. 

كيفية التشخيص

الأسئلةُ التاليةُ قد تساعدُكَ على تحديدِ مشكلتِك، وهل أنتَ بالفعل مصابٌ بمتلازمةِ المحتالِ أم لا:

  • هل تلومُ نفسَكَ بشدة عند حدوثِ أيِّ خطأٍ في عملِك؟
  • هل تَنسبُ نجاحَكَ لعواملَ خارجيةٍ بعيدةٍ عنك؟
  • هل أنت حساسٌ لأيِّ نقدٍ حتى إنْ كانَ بناءً؟ 
  • هل تقللُ دائمًا من مهاراتِكَ وقدُراتِكَ حتى ولو كنتَ الأمهرَ فعلًا بين زملائِك؟
  • هل تشعرُ دائمًا أنه سيُكتَشَفُ خداعُكَ وزيفُكَ واحتيالُك؟

إذا كانتْ إجاباتُكَ كلُّها أو معظمُها بالإيجاب، وكنتَ دائمَ الشعورِ بأنكَ غيرُ كفءٍ ولا تستحقُّ ما أنتَ فيه، فلا تترددْ في التحدثِ مع معالجٍ نفسيّ؛ لأن استمرارَ أفكارِكَ السلبيةِ والتشكيكِ في نفسِكَ وقدراتِكَ -في الغالبِ- لن يؤثرَ فقطْ في عملِك، بل في حياتِكَ كلِّها. 

كيفية التغلب على شعورك بالاحتيال

يمكنك باتباع الخطوات التالية أن تساعد نفسك في التغلب على هذا الشك المستمر وأن تستعيد ثقتك في نفسك وفي إمكانياتك:

  • شارك مشاعرك وأفكارك، وتحدث عنها مع شخص تثق  به، سواء كان فردًا من العائلة أو صديقًا أو متخصصًا في العلاج النفسي، سيساعدك ذلك في إزاحة الحمل عن عاتقك، والتعبير عن مخاوفك ومُعتقداتك عن نفسك، ويزيح غمامة الشك عندما تسمع رأي من حولك فيك وفي قدراتك وما حققته في حياتك. 
  • حدد نقاط قوتك ودوِّن إنجازاتك: مما يساعدك على استعادة ثقتك بنفسك وتأكّدك من استحقاقك لهذا النجاح والتقدير، وأنه لم يكن عن طريق صدفةً، أو ضرباً من ضروب الاحتيال.
  • تقبل فكرة استحالة وجود المثالية، وأن الأخطاء فرص جيدة للتعلم والتطور والتميز. 
  • واجه أفكارك السلبية وشكك في معتقداتك غير العقلانية: اسأل نفسك: هل أنا محتال؟! 

غيّر طريقة تفكيرك… متخصص في العلاج النفسي قد يساعدك أكثر على ذلك. 

  • ركز مع نفسك وما عليك إنجازه ولا تقارن نفسك بغيرك. 

تذكر دائمًا أن كل شخص متميز، وأنك تمتلك كل ما يخوِّلك النجاح والازدهار، وأنه يمكنك التغلب على هذا المحتال الذي ينغص حياتك ويفسد عليك لحظة نجاحك ويسرق منك سعادتك. 

تقبل الثناء والتقدير، واستمتع بصوت التصفيق في القاعة، احتفل بكل ما تحققه من إنجازات حتى وإن كانت صغيرة… 

تأكد أنك قادر، وكن على يقين أنك تستحق.

المصدر
The reality of imposter syndromeFeel like a fraud? How to handle imposter syndromeWhat is imposter syndrome and how can you combat it? - Elizabeth Cox
اظهر المزيد

د. أروى صبحي

صیدلانیة وباحثة. لدیها شغف دائم للبحث وفهم كل ما حولها؛ خاصة فیما یتعلق بجسم الإنسان. أشعر بالرضا عند تبسیط العلوم للغیر، ووجدت في الكتابة وسیلة لمساعدة الآخرین في الاستمتاع بالمعرفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق