ترياق الطفلمتلازمات

متلازمة الموهوب – بين الهِبَة السماوية والمرض النفسي

“أين تعلمتَ كلَّ هذه الأشياء؟!”.

“لا يمكنُكَ اللعبُ معنا؛ فأنتَ لستَ مثلَنا!”.

“ما متلازمةُ الموهوبِ التي تتحدثُ عنها؟! أنتَ لستَ سِوى شخصٍ غريبِ الأطوار!”.

تذكَّرتُ كلَّ هذه الكلماتِ التي سمعتُها -وأنا طفلٌ صغير- خلالَ جلوسي في القطار، ومشاهدَتي لأمٍّ توبخُ ابنَها على درجاتهِ القليلةِ في الدراسة، وعدمِ قدرتهِ على استيعابِ المعلومات.

تعجبتُ من هذا الموقف لأنني مصابٌ بمتلازمةِ الموهوب، وأستطيعُ تذكُّرَ كلِّ المعلومات، ولكنني لم أستطِع الحصولَ على القدرِ الكافي من التقدير.

أردتُ الذهابَ إلى هذهِ الأم؛ لأقولَ لها ما حدثَ لي، وأُخبرَها أن ابنَها بالتأكيد لدَيهِ ما يُبدعُ فيه بعيدًا عن دراستِه، ولكنني لم أستطع الذَّهاب؛ لأنني خجولٌ بشِدة.

نتعرفُ معًا في هذا المقال إلى هذه المتلازمةِ النادرةِ جدًا، وإلى أسبابِها، وكيفيةِ التعاملِ معها.

متى نشأت متلازمة الموهوب؟

يتبادر إلى ذهنك عند سماع مصطلح “متلازمة الموهوب”، أنها قدرة خارقة قد تتمنى حدوثها، وتظن أنها سوف تجعل حياتك أفضل بكثير من ما هي عليه الآن.

وجد الطبيب البريطاني (جون داون) أن هناك بعض الحالات من مرضى التوحد تتميز بذكاء نادر في مجال معين.

كان الوضعُ مجهولًا له إلى أنْ توصَّلَ إلى الإدراكِ الكاملِ لطبيعةِ هذه الحالة، وأطلقَ عليها مصطلح “متلازمةُ الموهوب” أو “متلازمةُ العبقريّ” عامَ 1887. ثم أضيفَ إلى التسميةِ مصطلحُ “متلازمةُ سافانت”  Savant syndrome لاحقًا.

ما متلازمةُ الموهوب؟ 

يتعرضُ الأطفالُ المصابونَ بالتوحدِ -أو الأمراضِ الذهنيةِ الأخرى- إلى ظلمٍ كبيرٍ من المجتمع، يكفي تسميتُهم بـ “المعاقين”، ولكننا نجهلُ عنهمُ الكثيرَ من الأشياء.

توجَد حالاتٌ نادرةٌ جدًا من مرضى التوحد -قد تبلغُ نسبتُهم 10% من المصابين- لدَيهمْ هذه المتلازمة.

نلاحظُ في هذه المتلازمةِ تمتُّعَ الطفلِ بقدُراتٍ ذهنيةٍ متفوقةٍ في مجالٍ معَين، بينما تظلُّ القدُراتُ الأخرى في نفسِ مستوى مرضى التوحدِ الطبيعيين.

لا يوجدُ تفسيرٌ واضحٌ لحدوثِ هذه المتلازمة، ونلاحظُ أن نسبةَ وُجودِها في الذكورِ أعلى من الإناث.

كيف تستطيع أن تميز الطفل المصاب بمتلازمة العبقري؟

تستطيع أن تميز أعراض هذه المتلازمة بسهولة؛ لأنها تظهر بوضوح في سن صغيرة، وتشمل التفوق في المجالات التالية:

  • الفنون.
  • الحسابات الرياضية.
  • الذاكرة القوية.
  • الموسيقى.
  • المواهب البصرية.

هل توجَد أنواع من متلازمة سافانت (Savant syndrome)؟

توجد أنواع مختلفة من هذه المتلازمة، ومنها ما يلي:

الموهوب

يتميزُ الأطفالُ في هذا النوعِ بالموهبةِ في مجالٍ محدَّد، ولكنها تكونُ مصحوبةً بدرجةٍ عاليةٍ من الإعاقة، ويُعَدُّ هذا النوعُ هو الأكثرُ شيوعًا من بينِ أنواعِ هذه المتلازمة.

العالِم المذهل

يمتلك الأطفال في هذه الفئة تميُّزًا ملحوظًا في القدرات، ويتمتعون بالعبقرية والخروج عن المألوف.

المدافع عن التفاصيل

يهتم الأطفال هنا بالتفاصيل بشدة، ويمتلكون ذاكرة قوية، ولديهم تفوُّق أيضًا في الرياضيات والمهارات البصرية. لكن يصعب على هذا النوع تكوين الصداقات والاختلاط بين البشر.

مَنْ هم الأطفال الأكثر عرضة للإصابة بمتلازمة الطفل الموهوب؟

تزداد احتمالية وجود هذه المتلازمة في الحالات التالية:

  • إصابة فرد من العائلة بهذه المتلازمة.
  • الولادة المبكرة.
  • وجود متلازمة أسبرجر في الأسرة.
  • نقص وزن الطفل عند الولادة.
  • الأطفال الذكور.
  • وجود تشوهات خلقية.
  • الجينات.

هل ما يحدثُ في الأفلام… حقيقة؟! أَمْ وحيُ خيالِ المؤلف؟!

هل ما يحدث في الأفلام حقيقة؟

هل شاهدت فيلم (Limitless) أو فيلم (الحاسة السابعة) من قبل؟

إن كانت إجابتك “لا”، فهذه الأفلام من النوعية التي تحدث للبطل فيها صدمة معينة، أو يتناول دواءً من نوع خاص بالصدفة، وبعد ذلك يجد نفسه يمتلك بعض القدرات الخاصة التي لم تكن لديه من قبل.

يُعَدُّ هذا السؤال منطقيًا جدًا بعد الحديث عن متلازمة الموهوب، هل من الممكن أن يحدث هذا في العالم الواقعي؟

نعلم الآن أن نسبة حدوث متلازمة سافانت في مرضى التوحد قليلة جدًا، ولكن من المدهش أن نعرف أنها قد تحدث أيضًا لبعض الأشخاص، دون إصابتهم بمرض التوحد.

يكتسبُ الشخصُ قدُراتٍ خاصةً بعدَ تعرضِهِ لإصابةٍ معَينة، ويُطلَقُ على هذا الحدثِ النادر “متلازمةُ سافانت المكتسَبة”  Acquired Savant Syndrome.

تحدث هذه الحالة نتيجة لإصابة تكون عادة في نصف المخ الأيسر، ولكن تظل أنسجة المخ سليمة في النصف الأيمن، ومحاولة تعويض هذا التلف في الأنسجة هي السبب في ظهور هذه القدرات الخارقة.

لماذا نلاحظ أن نسبة متلازمة الموهوب في الذكور أعلى من الإناث؟

ترجع هذه النسبة إلى سببين: 

1- تحدث هذه المتلازمة عادة مع مرضى التوحد، ونسبة مرضى التوحد الذكور أعلى من الإناث.

2- يرجع السبب الثاني إلى اكتمال نمو الجزء الأيمن من دماغ الجنين قبل الجزء الأيسر، ولذلك يكون الجزء الأيسر مُعَرَّضًا للصدمات العصبية بشكل أكبر.

يُعَدُّ هرمون التستوستيرون واحدًا من هذه الأضرار العصبية التي يتعرض لها نصف الدماغ الأيسر، لأنه عندما يصل الهرمون إلى مستويات عالية، يصبح سامًّا ويسبب تلفًا في دماغ الجنين.

هل يوجد علاج لمتلازمة الموهوب؟

لا تُعَدُّ هذه المتلازمة مرضًا يتطلب العلاج؛ يمكن أن نعُدَّها هِبَة من الله أعطاها لأطفال فقدوا العديد من المهارات الأخرى.

تكون أغلب حالات متلازمة العبقري من مرضى التوحد، لذلك يمكننا أن نحاول تنمية باقي مهارات الطفل عن طريق بعض أنواع العلاج، مثل:

علاج النطق

يعمل هذا العلاج على تنمية مهارات الطفل، حتى يستطيع التواصل مع الأشخاص عن طريق:

العلاج التربوي

يستخدمُهُ المختصونَ لهذه الأهداف:

  • دمج الطفل في الأنشطة.
  • زيادة مهارة التواصل.
  • تحسين سلوك الطفل.

العلاج الأسري

تستطيع الأسرة أن تؤدِّي دورًا هامًا في تحسين حالة الطفل، خاصة خلال سنواته الأولى وقبل ذهابه إلى المدرسة، عن طريق:

  • اللعب مع الطفل.
  • مساعدته على تنمية مهاراته.
  • فهم المشكلات التي يعانيها.
  • محاولة التكيف مع حالته.
  • حمايته من التنمر.

هل من الممكن أن يفقد الطفل المصاب بهذه المتلازمة قدراته الفريدة؟

هل من الممكن أن يفقد الطفل المصاب بهذه المتلازمة قدراته الفريدة؟

يجب أن نعلم أنه في حالة هذه المتلازمة لا توجد إحصائيات دقيقة تجيب عن هذه الأسئلة، ولكن وجد الأطباء خلال تعاملهم مع حالات متلازمة الموهوب أن الأغلبية لا يفقدون هذه القدرات.

يستطيع الأهل أيضًا التعامل مع هذه القدرات، والعمل على تنميتها حتى يستفيد منها الطفل.

عيوب متلازمة الموهوب

تعتقد في أول الأمر أنه لا توجَد عيوب لهذه المتلازمة، وأن الطفل المصاب بها من أسعد الأطفال.

يجب أن ندرك أن الطفل الذي يمتلك هذه المتلازمة يحتاج إلى تعامل من نوع خاص، لأنه يواجه بعض المشاكل، مثل:

  • الخجل الشديد.
  • الصعوبة في التعامل مع الأشخاص الجدد.
  • صعوبة التعامل بمرونة.
  • عدم القدرة على التكيف مع بيئة جديدة.
  • التعرض لتنمر الأطفال الآخرين.
  • عدم تفهُّم المجتمع لحالته.
  • رفض الاتصال الفيزيائي.

يثق الأطباء في أن قدرة الأهل على فهم الطفل، والتعامل المناسب معه سيخففان كثيرًا من حدة هذه المشاكل.

إن كنتُ أعرف طفلًا لديه متلازمة الموهوب، كيف أتعامل مع مهاراته؟

تستطيع أن تفعل بعض الأشياء حتى تساعده على تنمية قدراته، مثل:

في النهاية…

أعتقد أنه لا يوجد مبرر لاستخدام وصم (معاق) مع أي مرض من الأمراض؛ فالمحافظة على نفسية الآخر من أهم صفات الإنسانية.

يجب أن نعلم بأن المجتمع يستطيع أن يصنع من الطفل الذي يمتلك متلازمة الموهوب: إمَّا عالمًا مبتكِرًا، أو إنسانًا عديم الثقة بنفسه!

المصدر
Savant syndromeThe savant syndrome: an extraordinary condition. A synopsis: past, present, futureSavant Syndrome FAQsWhere do Savant Skills Come From?
اظهر المزيد

د. راشيل نادي

صيدلانية وكاتبة محتوى طبي. هدفي أن يصل العلم بشكل غير معقد لمن يريد المعرفة، أثق أن الكتابة ليست مجرد موهبة ولكنها شغف نستطيع به أن نصل لعقول الآخرين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. شكرا لكاتب المقالة دي فعلا انا كنت بعمل بحث لحاجة شبه كده والمقالة فادتني جدا شكرا لكاتب المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق