ترياق الأمراض النفسية

متلازمة ستوكهولم | عندما تقع الضحية في حُبِّ جلادها!

دخان كثيف من غازٍ مسيل للدموع…

الكثير من رجال الشرطة يحاولون اقتحام النفق… 

تصدح مكبرات الصوت: 

“استسلموا، لا تحاولوا إطلاق النار، المكان كله محاصر، اتركوا الرهائن تخرج بسلام”.

ثم يظهر الرهائن في مشهد غريب يصرخون، لا فرحًا بخروجهم؛ لكن خوفًا على مغتصبيهم!

“أرجوكم اتركوهم، أرجوكم لا تؤذوهم”!

كان هذا مشهد نهاية إحدى أشهر عمليات السطو المسلح، لكنه كان بداية لظاهرة عجيبة عُرفت فيما بعد بِاسم “متلازمة ستوكهولم – Stockholm Syndrome”. 

متلازمة ستوكهولم… بداية الحكاية

في نهاية عام 1973، تحديدًا في الثالث والعشرين من أغسطس، قام مجرمان بالسطو المسلح على أحد بنوك العاصمة السويدية ستوكهولم.

لم يتوقف الأمر على هذا، بل احتجزا أربعة رهائن من موظفي البنك؛ كوسيلة ضغطٍ للحصول على فديةٍ مالية كبيرة.

وبعد حوالي خمسة أيام، استطاعت الشرطة اقتحام المكان، والقبض على المجرمَيْن، وإخراج الرهائن بسلام. إذًا ما المريب في الأمر؟!

متلازمة ستوكهولم

المريب -يا عزيزي القارئ- كان تلك الرابطة العاطفية القوية التي نشأت بين الرهائن وخاطفَيْهم خلال تلك المدة القصيرة. فمن العجيب أن تعرف أن إحدى الرهائن ارتبطت بواحد من الخاطفَيْن، وأن آخرَ خصص مبلغًا ماليًا للدفاع عنهما، بل وامتدت تلك العلاقة الغريبة حتى بعد خروجهما من السجن. 

أثارت كل تلك الأفعال حفيظة الرأي العام، حتى ظنت الشرطة أنه ربما تكون هناك علاقة سابقة بين هؤلاء الرهائن والخاطفَيْن.

وبعد المزيد من البحث حول تلك المسألة، وربط هذا الحادث بحوادث أخرى مشابهة، أضاف علم النفس -بعد مرور عامٍ من هذا الحادث- متلازمة جديدة لقاموسه، سُمِّيَت بـ”متلازمة ستوكهولم”

ما هي متلازمة ستوكهولم (Stockholm Syndrome)؟

تُعَدُّ متلازمة ستوكهولم استجابة نفسية غريبة تنشأ بين ضحايا الخطف أو الانتهاك وبين المعتدين عليهم. 

فبدلًا من أن تستبد بهم مشاعر الرعب والخوف والغضب من خاطفيهم، توجد مشاعر أخرى غير متوقعة، مثل: التعاطف وأحيانًا الحب.

ضحايا متلازمة ستوكهولم

ولا تقتصر متلازمة ستوكهولم فقط على ضحايا حوادث الخطف والاعتداء؛ فهناك الكثير يتعرضون لها، مثل: 

  • ضحايا العنف الأسري من النساء أو الأطفال. 
  • ضحايا العلاقات القائمة على التحكم والسيطرة.
  • الأسرى وضحايا الحروب.

تفسير متلازمة ستوكهولم

يعد بعض العلماء أن متلازمة ستوكهولم هي إحدى وسائل الدفاع عن النفس التي نستخدمها لحماية أنفسنا من الخطر. وعلى الرغم من ندرة البحوث التي أجريت بشأن أسباب تلك المتلازمة، فقد أُجمِع أنها قد تكون نتاج المواقف التالية:

  • الخوف هو سيد الموقف

فيعتقد بعض الضحايا أن إنشاء علاقة طيبة بالمعتدين عليهم هو الضامن والسبيل الوحيد لتجنب تهديداتهم والحماية من بطشهم.

  • القليل من المشاعر الطيبة يفي بالغرض

إن أقصى أمنية تدور في ذهن أي ضحية من ضحايا الاعتداءات هي البقاء على قيد الحياة، لكن عندما يُظهِر الجاني مشاعر طيبة أكثر من المتوقع، يكون التعاطف هو الناتج الطبيعي لها.

  • فقدان الأمل في الهرب 

تحت التهديد المادي أو المعنوي، يفقد الكثير من الضحايا الأمل في الخروج من تلك المأساة، ويحاولون التأقلم معها بأقل الخسائر.

أعراض متلازمة ستوكهولم 

يمكن أن نختصر أعراض متلازمة ستوكهولم في ثلاث كلمات “التعاطف والحب والرغبة في الحماية”، نشرحها بالتفصيل في النقاط الآتية: 

  1. نشأة مشاعر طيبة وإيجابية تجاه هذا المعتدي.
  2. على العكس تمامًا، تنمو لدى الضحايا مشاعر عدائية مع أي فرد يحاول تخليصهم من براثن هذا الموقف.
  3. الاستسلام التام، وعدم إبداء أي محاولة للتخلص من المعتدي أو الهرب منه.
  4. التعاون مع المعتدي، وتبنِّي نفس مبادئه وأفكاره.
  5. الرفض التام للانفصال عن هذا الجاني، والتوقف عن إدانته حتى بعد انتهاء الموقف.
  6. رفض التعاون مع الشرطة أو مع أي شخص يحاول تخليصهم من الجاني.

ونرى تلك الأعراض بوضوح شديد لدى إحدى ضحايا الحادث التي ذكرناه في بداية المقال؛ ففي إحدى محاولات التفاوض تحدثت إلى الشرطة وتوسلت إليهم لإحضار سيارةٍ لتهريب الخاطفين. وعندما قوبل طلبها بالرفض؛ اتهمتهم بأنهم لا يهتمون بأمرها، وأن محتجزيها أكثر حرصًا عليها منهم.

حوادث شهيرة تخضع لمتلازمة ستوكهولم: 

هناك العديد من الحوادث والاعتداءات التي شهدناها على مر العصور كان التفسير الوحيد لها هو التعرض لتلك المتلازمة، من أشهر تلك الحوادث:

  • ناتاشا:

تُعَدُّ ناتاشا -تلك الطفلة ذات العشرة أعوام- واحدة من أشهر ضحايا متلازمة ستوكهولم. وقد احتجزت لمدة تزيد عن ثمانية أعوام في قبوٍ مظلم، لم تخرج منه إلا بعد انتحار محتجزها. وبعدما عرفت بموته، بكت عليه وصلَّت له.

للمزيد من المعلومات عن الانتحار، تابع: عن أسباب التفكير بالانتحار | لماذا تنتحر؟!

  • باتي هيرست:

 حفيدة أحد رجال الأعمال المشهورين، والتي تعرضت للاختطاف من قِبَل إحدى الجماعات عام 1974. بعد مدة من حادثة الاختطاف، اعتنقت أفكار تلك الجماعة وانضمت لها، بل وساهمت معها في عمليات سطو على البنوك.

  • ماري ميكلروي:

كانت ماري شابة في الخامسة والعشرين من عمرها عندما اختطفت من قبل أربعة رجال، احتجزوها وقيدوها بجدار مزرعةٍ مهجورة. وبعدما أطلقوها من أسرها، رفضت الإدلاء بأسمائهم للشرطة، ليس هذا فقط بل أعلنت تعاطفها معهم.

أعراض متلازمة ستوكهولم

كيف يمكنك مساعدة شخص على التعافي من متلازمة ستوكهولم؟ 

أولًا: الإقناع

فإن أولى خطوات التعافي تبدأ بالاعتراف، والوعي بوجود المشكلة، والمحاولة الجدية في البحث عن علاج لها. وتُعَدُّ تلك المهمة هي الأصعب على الإطلاق؛ فتغيير قناعات ضحايا متلازمة ستوكهولم تجاه جلاديهم يحتاج منك إلى جهدٍ كبير.

ثانيًا: المعرفة 

يجب أن تمتلك الوعي الكافي بكل جوانب المرض وأسبابه وأعراضه، حتى تستطيع مساعدة من تحب.

ثالثًا: المشاركة 

شارِكْ تلك الضحية المعلومات التي توصلْتَ إليها حول متلازمة ستوكهولم؛ علَّ هذا يفيدها في إدراك المشكلة.

رابعًا: كن مستمعًا جيدًا

استمع لهذا الشخص جيدًا دون إطلاق أي أحكام عليه، أو حتى محاولة استقطابه لطرفك.

خامسًا: هذا الوقت غير مناسب للنصح 

يحتاج مريض متلازمة ستوكهولم في هذه المرحلة إلى إعادة بناء ثقته بنفسه وبقراراته، وآخر ما يحتاج إليه وصايا ونصائح الآخرين.

سادسًا: اكتشف الدافع الخفي 

يرجع ظهور متلازمة ستوكهولم -في بعض الأحيان- لوجود دافعٍ أو رغبةٍ خفية تُجبِر الضحايا على الاستمرار في تلك العلاقات المُسيئة. إن اكتشاف تلك الدوافع واستبدالها يساعد بشكل كبير على التعافي.

العلاج النفسي لمتلازمة ستوكهولم 

ويعامل العلاج النفسي متلازمة ستوكهولم معاملة اضطراب ما بعد الصدمة، على اعتبار أنها أحد أشكال استجابات الضحايا لها.

لمعلومات أكثر عن اضطراب ما بعد الصدمة، اقرأ: اضطراب ما بعد الصدمة.. ألا يا قلب اتئد!

العلاج النفسي لمتلازمة ستوكهولم

ويهدف العلاج النفسي إلى مساعدة المرضى على فهم تلك الأحداث التي مروا بها، وأسباب استجابتهم المختلفة لها، وكيف يمكنهم تجاوز تأثيراتها. هذا بالإضافة إلى إرشادهم إلى طُرُق التكيف والتعامل الصحي مع الأحداث التي تدور حولهم، ومن أشهر طُرُق العلاج المتبعة: العلاج المعرفي السلوكي.

المزيد من المعلومات عن العلاج المعرفي السلوكي تجدها في هذا المقال: كل ما تود معرفته عن العلاج المعرفي السلوكي

وختامًا، في كل مرة تعجز فيها نفسك عن استيعاب موقف ما أكبر من قدرتك، سيجد عقلك حيلةً ما تساعدك على التكيف والتعايش، حتى ولو كانت في بعض الأحيان قاسية، فكن ممتنًا لذلك!

المصدر
What is Stockholm Syndrome and Who Does it Affect?Why Stockholm Syndrome Happens and How to Helphttps://www.goodtherapy.org/blog/why-stockholm-syndrome-happens-and-how-to-help-0926184
اظهر المزيد

د. مروة إسماعيل

مروة إسماعيل صبري، طبيبة بيطرية وكاتبة محتوى طبي، مهتمة بالبحث في مختلف العلوم الطبية وتبسيطها وإثراء المحتوى الطبي العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق