ترياق الأمراض النفسية

متلازمة مونشهاوزن – عندما يُفتعَل المرض

على صفحتها الشخصية، بدأت في سرد قصتها في منشورات متتابعة:

“شُخِّصتُ بورم دماغي خبيث من الدرجة الرابعة، أمامي أربعة أشهر للعيش!”.

“سأبدأ غدًا رحلتي في العلاج الإشعاعي”.

بعد شهر…

“يؤلمني أن أخبركم جميعًا أني شُخِّصتُ بسرطان آخر”.

“أنا الآن مصابة بسرطان الدماغ والكبد”.

“أنا أتألم بشدة!”.

هذه هي قصة المدونة الأسترالية “بيللي جيبسون” مع السرطان. تبدو قصة حقيقية صادقة، ولكن…

اكتُشِف فيما بعد أنها زوَّرت قصتها المأساوية تلك، وبرعت في نسج حبكة درامية رائعة، لتُضفِي كثيرًا من الصدق، ولتجذب القلوب الرحيمة!

شُخِّصَت حالة “جيبسون” بـ”متلازمة مونشهاوزن”، والتي تُعَرَّف على أنها “اصطناع المرض لجذب التعاطف”.

في هذا المقال، سنتعرف على ملامح هذه المتلازمة، وأعراضها، وكيف يمكن التعامل معها.

ما هي متلازمة مونشهاوزن أو “متلازمة مونخهاوزن” ؟

هي حالة نفسية سلوكية مصطنعة، يتعمَّد الشخص المصاب بها التظاهر بأنه مريض للحصول على التعاطف، ولا تنتج عن حافز خارجي، مثل: الكسب المادي أو الهروب من المسؤولية.

يحترف المصاب بمتلازمة مونشهاوزن خداع الآخرين عن طريق ادعاء المرض، أو إلحاق الأذى بنفسه فعلًا!

سُمِّيَت متلازمة مونخهاوزن (Munchausen syndrome) نسبة إلى “مونخهاوزن”، الأرستقراطي الألماني الذي اشتُهِر بحكاياته المبالغ فيها حول أعماله البطولية المستحيلة في الحروب.

على الرغم من إدراك المصابين أنهم يفتعلون الأعراض، فإنهم قد لا يكونون على وعي بالأسباب الكامنة وراء تصرفاتهم.

ما الذي يسبب متلازمة مونشهاوزن؟

أسباب متلازمة مونشهاوزن

لم يصل العلماء -حتى الآن- إلى المسببات الأساسية لمتلازمة مونشهاوزن، ولكن يُعتقَد أنها مرتبطة بعوامل نفسية وبيولوجية.

 حدد الباحثون عوامل تزيد من خطر الإصابة بمتلازمة مونشهاوزن، وأهمها:

  • الإصابة بمرض شديد الخطر في مرحلة الطفولة، غالبًا ما أدى هذا إلى اهتمام يفتقده.
  • التعرض لصدمة عاطفية في أثناء الطفولة، نتيجة إهمال الوالدين أو المعاملة القاسية. 
  • الفقدان المبكر لأحد الأحباء؛ عن طريق الموت، أو المرض، أو الإهمال الطبي.
  • العاملون في مجال الرعاية الصحية، لمعرفتهم كثيرًا من الأعراض.
  • اضطرابات الشخصية، مثل: اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، اضطراب الشخصية الحدية، واضطراب الشخصية النرجسية.

يشترك المصابون بمتلازمة مونشهاوزن في لعب “دور المريض”، بصنع هوية جديدة تجلب الدعم من الآخرين، بل قد يلجأون إلى استخدام أسماء مزيفة لتجنُّب كشفهم.

أنواع سلوك المصاب والأعراض

يمكن للشخص المصاب التصرف بأساليب مختلفة لادعاء المرض، وأشهرها:

  • التظاهر بأعراض نفسية، مثل: الادعاء بسماع أصوات، أو رؤية أشياء غير موجودة فعلا.
  • التظاهر بأعراض جسدية، مثل: محاكاة ألم في الصدر، أو وجع في المعدة.
  • إيذاء الذات عمدًا، مثل: إصابة الجرح عمدًا عن طريق فرك الأوساخ فيه.

قد يقضي المصاب بمتلازمة مونشهاوزن سنوات في التنقل من مستشفى إلى آخر، وقد لا يكتفي بهذا؛ بل قد يخضع لعملية جراحية مؤلمة وشديدة الخطورة أحيانًا، على الرغم من تيقُّنه بأنها غير ضرورية له!

أشهر الأعراض المُبلَغ عنها

تنطوي متلازمة مونشهاوزن على سلوكيات خادعة تُستخدَم لتزييف الأعراض أو إحداث إصابات.

يقدم المصابون أنفسهم على أنهم مرضى، حتى في حالة عدم وجود فوائد خارجية واضحة، مثل: المكاسب المالية، أو تجنب العمل، أو الملاحقة الجنائية. 

تشمل أكثر الأعراض والأمراض الجسدية المزيفة شيوعًا:

● آلامًا في البطن أو الصدر.

● الإسهال.

● زيادة الكورتيزول أو نشاط الغدة الدرقية.                     

● نقص السكر في الدم.

● الالتهابات.                                    

● جروح الجلد التي لا تلتئم.

● القيء.                                                   

● الضعف العام.

وتُعَد أكثر الأعراض والأمراض النفسية شيوعًا هي: الاكتئاب، الذهان، والأفكار والسلوك الانتحاري.

متى يُشتبَه في مريض متلازمة مونشهاوزن ؟

يمكن عادةً الاشتباه في الشخص المصاب إذا:

  • كانت هناك أدلة واضحة على ادعاء الأعراض أو تحفيزها.
  • كان الدافع الرئيسي للشخص هو أن يُنظَر إليه على أنه مريض.
  • راوغ المصاب في تقديم التاريخ المرضي له، أو منع الوصول إلى المعلومات من مصادر خارجية، مثل: الأسرة والأصدقاء.
  • لم تتوافق الأعراض مع التشخيص المعروف.  
  • بلَّغ المريض عن أعراض شديدة تتجاوز نتائج الاختبارات المعملية (مثل المرضى الذين يشكون من الإسهال المستمر، بينما لا تظهر عليهم أي علامات الجفاف).
  • تعذَّر تفسير النتائج المختبرية، أو كانت متناقضة.
  • عارض المصاب استشارة الطبيب النفسي.
  • كان المريض أكثر راحة مما تبرره محاكاة الأعراض أو المرض.

تشخيص متلازمة مونشهاوزن .. التحدي العظيم!

يُمثِّل تشخيص متلازمة مونشهاوزن أحد أكبر التحديات في وجه مقدمي الخدمة الصحية، ذلك لأن المصابين بها يمتلكون مهارة كبيرة في خداع الأطباء بالأعراض المزورة. 

قدمت الجمعية الأمريكية للطب النفسي معايير لتشخيص المرضى المصابين بمتلازمة مونشهاوزن، وتتطلب كلًا مما يلي:

  1. تزييف الأعراض الجسدية أو النفسية، أو تحفيزها.
  2. تقديم الفرد نفسه للآخرين على أنه مريض يحتاج للرعاية.
  3. ممارسة الخداع، حتى في غياب أي فائدة خارجية أو مكافأة مادية.
  4. استبعاد الاضطرابات العقلية الأخرى التى قد تفسر هذا السلوك.
  • إذا اشتبه الطبيب في أن شخصًا ما قد يكون مصابًا بمتلازمة مونشهاوزن، فسوف يؤدي دور المحقق، للتأكد من التوافق بين تاريخه الطبي الفعلي وتاريخه الطبي المزعوم، بالبحث في سجلاته الطبية.
  • يجري الطبيب اختبارات للتحقق من وجود أدلة على وجود مرض ذاتي، أو التلاعب بالاختبارات السريرية، مثل: فحص دم الشخص بحثًا عن آثار دواء لا يجب تناولها ولكن يمكن أن تفسر أعراضه.
  • يجب استبعاد الدوافع المحتملة الأخرى لسلوكهم، مثل: تزييف المرض لتحقيق مكاسب مالية، أو للحصول إلى مسكنات الألم القوية، أو التمارض للهروب من العمل.

المضاعفات

يتعرض الشخص المصاب بهذه المتلازمة للعديد من المضاعفات الخطيرة، نذكر منها:

  • مضاعفات الإجراءات الطبية، أو العمليات الجراحية غير الضرورية، مثل: فقدان الأعضاء.
  • إدمان المخدرات أو الكحول.
  • مشكلات في الحياة اليومية والعمل.
  • إساءة معاملة المجتمع والعزلة.
  • الآثار الجانبية شديدة الخطورة الناتجة من استخدام جرعات زائدة للأدوية. 
  • إيذاء النفس، وقد يصل الأمر إلى الموت.

التعامل مع المصابين

يُعَد علاج متلازمة مونشهاوزن أمرًا صعبًا بسبب عزوف معظم الأشخاص المصابين به عن طلب المساعدة.

ونظرًا لأن جُلَّ الأشخاص المصابين ينكرون أنهم يزيفون هذه الأعراض، فإن التعافي يعتمد على طبيب يشجعهم على تلقِّي رعاية طبية مناسبة.

 ثمة طُرُق يتبعها الأطباء لعلاج هذه المتلازمة، وهي:

  • العلاج النفسي والعلاج المعرفي السلوكي

يصبح من الممكن السيطرة على أعراض متلازمة مونشهاوزن إذا اعترف الشخص أنه يعاني مشكلة، وتعاون مع خطة العلاج.

يساعد العلاج السلوكي المعرفي الشخص المصاب على تحديد المعتقدات والأنماط السلوكية غير الواقعية، وتحويلها إلى معتقدات أكثر واقعية.

لمزيد من المعلومات حول العلاج المعرفي السلوكي، اضغط هنا.

  • العلاج الأُسَري
العلاج الأُسَري

قد يستفيد الأشخاص المصابون -الذين لا يزالون على اتصال وثيق مع أسرهم- من العلاج الأُسَري عن طريق:

  • مناقشة الشخص المصاب بالمتلازمة -وأفراد أسرته المقربين- حول كيفية تأثير حالته على الأسرة، والتغيرات الإيجابية التي يمكن إحداثها، وتقديم الدعم الدائم له.
  • كما يمكنه أيضًا تعليم أفراد العائلة كيفية تجنُّب تعزيز السلوك الدعائي للمرض، حين يؤدي”دور المريض”، وتجنُّب إظهار القلق.
  • لا توجد أدوية لعلاج هذه المتلازمة، إلا إنه يمكن استخدام الدواء لعلاج أمراض مسببة أو مصاحبة، مثل: الاكتئاب أو القلق.
  •  يجب مراقبة استخدام الأدوية بعناية في علاج الأشخاص المصابين بسبب خطر استخدام الأدوية بطريقة ضارة.

وفي النهاية، نؤكد على أنه ينبغي ألا يعاقَب المريض على مرضه، وعلى أهمية التوعية بالصحة النفسية والدعم النفسي من قِبَل المجتمع.

المصدر
Factitious Disorder Imposed on Self (Munchausen Syndrome)Munchausen's syndromeMunchausen SyndromeFactitious disorder imposed on self, unspecifiedFactitious Disorder DSM-5 300.19 (F68.10)What Is Munchausen Syndrome (Factitious Disorder Imposed on Self)?
اظهر المزيد

د. محمود الرزاز

محمود الرزاز، صيدلي اكلينيكي، و أخصائي معلومات طبية، استمتع بالبحث عن الدليل العلمي، ومهتم بوصول المعلومات الطبية الحديثة للقاريء بلغة بسيطة و مفهومة، في ظل فوضى انتشار المعلومات غير الدقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق