ترياق الأدوية النفسيةترياق الأمراض النفسيةترياق الروح
أخر الأخبار

متى أحتاج إلى طبيب نفسي؟

متى أحتاج إلى طبيب نفسي؟ لدي صديق قلِق لحوح دائم الشكوى والسؤال.. يصيبه صداع، فيقضي الليل بطوله يقلب محركات البحث رأسًا على عقب بحثًا عن أسباب الصداع، ثم يأتينا في اليوم التالي يخبرنا بأن صداعه سببه نزيف مخي! 

وفي يوم من الأيام، أتاني ذلك الصديق متعجلًا، أرى في عينيه نظرة الهلع التي عهدتها مذ عرفته، وسألني بصوت مرتجف مذعور: “متى أحتاج إلى طبيب نفسي؟” 

لوهلة، شعرت أنه يحتاج إلى طبيب نفسي بالفعل؛ قلقه الزائد عن الحد وهوسه بما لديه من أعراض -في رأيي- يجعله مرشحًا مناسبًا لجلسة علاجية طويلة! 

في هذا المقال، تسمع معي صوت صديقي وهو يقاطعني ويسأل مرة تلو الأخرى “متى أحتاج إلى طبيب نفسي؟”. فأرجو ألا تنزعج!

من يحتاج إلى طبيب نفسي؟

قبل أن أجيب عن سؤال صديقي “متى أحتاج إلى طبيب نفسي؟” دعنا نتفق أولًا على مبدأ مهم: لا يعني احتياجك لطبيب نفسي بالضرورة أن لديك اضطرابًا نفسيًا خطيرًا. 

ولستَ، كما يُشيع البعض، مجنونًا لو شعرت بحاجتك للمساعدة في التحكم في بعض أفكارك وانفعالاتك. 

يتعرض المرء على مدار حياته لمجموعة من الضغوطات النفسية والعصبية. ويتطلب التعامل مع هذه الضغوطات قدرًا كافيًا من الصحة النفسية التي تساعدك على التكيف وفهم المتغيرات من حولك. 

قد تصبح هذه الضغوط أكبر من قدرتك على الاحتمال، لذا، أنا، وأنت، وصديقي هناك، قد نحتاج إلى طبيب نفسي في أي مرحلة من مراحل حياتنا حينما نعجز عن مواجهة هذه الضغوطات بمفردنا. 

يهتف صديقي من جديد: “لا زلت لا أعرف متى أحتاج إلى طبيب نفسي!” 

ما المواقف التي تحتاج طبيبًا نفسيًا؟

يساعدك العلاج النفسي في التعامل مع المواقف الحياتية بشكل أفضل حتى لو لم تكن تعاني من اضطراب نفسي عن طريق ما يلي:

  • تخفيف حدة التوتر والقلق: المصاحب لتغيير مكان العمل وغيره من الضغوط العملية.
  • تحسين علاقتك بشريكك: مثل الاستشارات العائلية.
  • التعامل مع مرض عضوي مزمن: يسبب الألم الناتج عن بعض الأمراض المستعصية مثل السرطان ضررًا نفسيًا يؤثر على شكل حياة الفرد.
  • التعامل مع الصدمات النفسية العنيفة: تشكل الصدمات النفسية مثل موت شخص عزيز أو التعرض لاعتداء تحديًا لصحتك النفسية وتتطلب تدخلًا لمساعدتك على تجاوز الأمر.
  • التحكم في نوبات الغضب: وما يترتب على هذه النوبات من سلوكيات عنيفة تضر بصحتك وعلاقاتك الاجتماعية.

ويعد وجود أي خلل في طريقة معالجتك للمواقف من حولك أو في فهمك لنفسك، بشكل يمنعك من التصرف بشكل عقلاني، سببًا كافيًا لاستشارة طبيب نفسي. 

ومن أمثلة الاضطرابات النفسية المرضية التي تتطلب استشارة طبية وعلاجًا نفسيًا ما يلي: 

  • اضطرابات القلق: مثل اضطراب القلق المعمم، واضطراب القلق الاجتماعي والرهاب بأنواعه.
  • الاضطرابات المزاجية: مثل الاضطراب ثنائي القطب والاكتئاب.
  • اضطرابات الأكل: مثل الشره المرضي، وفقدان الشهية العصابي.
  • اضطرابات الشخصية: مثل اضطراب الشخصية الحدية، واضطراب الشخصية الاعتمادية.
  • اضطرابات النوم: مثل الأرق.
  • الاضطرابات المتعلقة بالإدمان.

حوار بيني وبين صديقي الحائر

يدور صديقي حول نفسه بنفاد صبر “لا أعرف من أنا، قل لي كيف أعرف أني أحتاج طبيبا نفسيا؟!” 

أجيبه بأن هناك علامات واضحة، تخبرك كيف تعرف أنك تحتاج إلى طبيب نفسي، ما عليك إلا أن تنظر إلى نفسك وتقرر إذا كنت تملك أيًا منها:

  • متى أحتاج إلى طبيب نفسي؟ إذا كانت المواقف أو الانفعالات تؤثر على سير حياتك الاجتماعية والعاطفية بشكل طبيعي؛ وقد تصل إلى العزلة والوحدة.
  • متى أحتاج إلى طبيب نفسي؟ إذا امتنعت عن ممارسة هواياتك المعتادة، وتملّكتك نظرة سوداوية متشائمة، ولم تعد الأحداث السعيدة تبهجك كالسابق.
  • متى أحتاج إلى طبيب نفسي؟ إذا ظهرت عليك أعراض يأس وزهد في الحياة، وإذا استمرت هذه الأعراض لفترة تزيد عن أسبوعين، أو صاحبتها أي أفكار أو ميول انتحارية
  • متى أحتاج إلى طبيب نفسي؟ إذا عجز الأقارب والأصدقاء عن التخفيف عنك وتهدئة توترك، وصرت غير قادر على التصرف في المواقف اليومية البسيطة. 
  • متى أحتاج إلى طبيب نفسي؟ إذا بدأت في إيذاء نفسك، مثل استخدام آلة حادة، أو شعرت بارتياح تجاه إيذاء من حولك، قد يشير ذلك إلى اضطراب نفسي.
  • متى أحتاج إلى طبيب نفسي؟ إذا وجهت حزنك وغضبك في عادات مدمرة مثل الإدمان.
  • متى أحتاج إلى طبيب نفسي؟ إذا فقدت شخصا عزيزا، أو تعرضت لحادث أليم، ومنعك الحزن والاكتئاب من تقبل الواقع، وصرت حبيس نفسك، وتراودك أحلام مخيفة، أو تصاحبها أعراض عضوية مثل: تسارع ضربات القلب، بشكل تعجز عن السيطرة عليه.
  • متى أحتاج إلى طبيب نفسي؟ إذا كانت ردود أفعالك غير مكافئة للموقف الذي تمر به؛ تخاف مثلًا أن تصدمك سيارة فتتجنب النزول من المنزل.
  • متى أحتاج إلى طبيب نفسي؟ إذا ظهرت عليك أعراض وسواسية، كأن تغسل يديك باستمرار لساعات طويلة، دون أن تتمكن من إيقاف نفسك أو التحكم في تصرفاتك.

كيف يساعدك الطبيب النفسي؟

هدأ صديقي قليلًا، وتنهد، ثم قال: “ها قد عرفت متى أحتاج إلى طبيب نفسي، ولكن كيف سينقذني ذلك الطبيب؟” 

يستعين الطبيب النفسي بطرق وأنواع مختلفة من العلاج النفسي والدوائي للتعامل مع اضطراباتك ومشاكلك النفسية. وتختلف طرق العلاج من شخص لآخر، كل حسب حدة أعراضه، وصعوبة حالته. ومن أمثلة هذه الطرق:

  • العلاج المعرفي السلوكي: تعتمد هذه الطريقة على تحديد أنماط التفكير الخاطئة لديك، وتحديد المشاعر والسلوكيات السلبية غير المنطقية، وتتشارك مع طبيبك في وضع خطة منظمة ومحكمة لمواجهة هذه المشكلات، في مجموعة من الجلسات قصيرة المدى. تعرف أكثر على هذا النوع من العلاج عبر هذا المقال: العلاج المعرفي السلوكي.
  • العلاج النفسي التحليلي: يشجعك معالجك النفسي على الكلام، بهدف الوصول إلى الخبايا العميقة وراء بعض المشاكل النفسية التي تعاني منها دون أن تدرك أبعادها النفسية في عقلك اللاواعي.
  • العلاج التحليلي المعرفي: يجمع بين النوعين السابقين من العلاج.
  • العلاج التفاعلي: يركز هذا النوع من العلاج على مشاكلك النابعة من تعاملك مع من حولك، فيساعدك على تحسين علاقاتك الاجتماعية.

ويمكن أن تصبح جلسات العلاج النفسي فردية -أي بينك وبين معالجك النفسي فقط-، أو جماعية -بينك وبين مجموعة من الأفراد الذين يشاركونك نفس المشكلة-، أو بحضور أحد من أهلك وأصدقائك -إذا كان ذلك يناسب حالتك-.

ماذا إن لم ينجح العلاج النفسي؟

رغم أن صديقي الآن صار يدري إجابة سؤاله “متى أحتاج إلى طبيب نفسي؟”، إلا أن مخاوفه وشكوكه عاودت الظهور من جديد، وها هو ذا يشكك في الطبيب قبل أن يراه، وفي العلاج قبل أن يبدأه.

ولهذا الصديق الخائف أقول ما يلي:

  • علاج المشكلة يبدأ من عندك: خذ الخطوة الأولى وشارك معالجك في خطة علاجك.
  • لا تتعجل النتائج: يأخذ العلاج النفسي وقتًا، فلا تيأس. 
  • لا تستمع لما يقوله الناس: أنت أعلم الناس بما تعانيه من قلق أو خوف، يستحق الأمر المحاولة، فلا تلتفت لمن يحاول هدم عزيمتك.
  • كن صادقًا مع نفسك: حدد أعراضك بدقة قدر المستطاع، وتناقش مع معالجك بصدق. إذا لم تشعر بتحسن أخبره بذلك.

ولعلك الآن، عزيزي القارئ، تعرف متى يحتاج الإنسان طبيبًا نفسيًا، وصرت خبيرًا بطباع صديقي اللحوح، وربما تشاركني الرأي إن أخبرته أنه أحوج الناس لطبيب نفسي!

اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق