ترياق الأدوية النفسية

ما تأثير مخدر الكيتامين على علاج الاكتئاب؟

كنت أظن أنني أعرف الاكتئاب حق المعرفة، وكنت أردد لنفسي أن العلاج بسيط..

كيف سنعالج مريضنا؟ سنعطيه جرعة من مضاد الاكتئاب فترتفع نسبة السيروتونين لديه -ذلك الناقل العصبي الشقي الذي سبّب نُقصانُه الاكتئاب.

وهكذا يمضي المرء في الحياة يحسب نفسه عالمًا ببواطن الأمور، إلى أن تدهشه الحقيقة المرة أو تفجعه، فيُفيق من غفلته ويرى الأمور بعين غير عينه وزاوية غير زاويته. 

فمع كل نبأ انتحار جديد، وكل منشور لأحد أصدقائي المكتئبين، صرت أدرك مدى سذاجة نظرتي؛ فذلك العلاج “البسيط” ليس ناجعًا وفوريًا كما ظننت، وإنما رحلة طويلة لا نعرف كثيرًا من أسرارها.

“ما تأثير مخدر الكيتامين على علاج الاكتئاب؟”:

سؤال سأحاول استكشاف إجابته في هذا المقال، علَّه يمنحنا أملًا جديدًا في هزيمة الاكتئاب -ذلك الوحش الكاسر الرابض على عتبات العقل والقلب معًا. 

دواء الكيتامين والاكتئاب

ما هو الكيتامين؟

هو دواء يستخدم كمخدر عام ومسكن في العمليات الجراحية، وقد يُحقن بمفرده أو بجانب أدوية مخدرة أخرى.

ويؤثر دواء الكيتامين على وعيك وحواسك؛ فقد تسمع أصواتًا غير موجودة، أو تشعر بشيء غير حقيقي، وتنفصل قليلًا عن الزمان والمكان من حولك حتى يزول تأثيره.

ما هو الاكتئاب؟

ما هو الاكتئاب؟

هو مرض نفسي، يؤثر بالسلب على تفكيرك ومشاعرك، ويعرقل سير حياتك بصورة طبيعية؛ إذ تعجز عن الاستمرار في تأدية مهامك اليومية.

وتشمل أعراض الاكتئاب ما يلي:

  • شعور دائم بالحزن والألم.
  • الزهد في الأنشطة التي اعتدت الاستمتاع بها سابقًا.
  • تغير في شهيتك؛ فقد تأكل كثيرًا أو قليلًا وينعكس ذلك على وزنك.
  • اضطرابات في النوم؛ فقد تنام كثيرًا هربًا من واقعك أو يصيبك الأرق.
  • شعور دائم بالإرهاق والتعب.
  • فقدان الطاقة والعزيمة من أقل مجهود.
  • شعور بالعجز والندم والخزي والذنب دون أي مبرر.
  • صعوبة في التفكير والتركيز واتخاذ القرارات.
  • ميل للعزلة والانفصال عن العالم.
  • وجود ميول انتحارية ورغبة في الموت.

ولابد أن تمتد هذه الأعراض لأسبوعين على الأقل ليُشخِّصك الطبيب النفسي بالاكتئاب، وسيقترح طبيبك أيًّا من العلاجات التالية:

  • العلاج الدوائي: باستخدام مضادات الاكتئاب كمثبِّطات امتصاص السيروتونين الانتقائية.
  • العلاج النفسي: مثل العلاج المعرفي السلوكي الذي يهدف إلى تحديد أنماط التفكير الخاطئة لديك واستبدالها بأفكار أكثر إيجابية.

وقد يدمج الطبيب بين نوع أو أكثر من العلاج وفقًا لشدة حالتك، ويُقيِّم مدى استجابتك لهذه الطرق المختلفة.

تأثير مخدر الكيتامين على علاج الاكتئاب

إن اللافت في أمر الكيتامين، هو تأثيره على حالات الاكتئاب المستعصية؛ فقد وُجِد أنه قادر على إحداث تحسِّن سريع وملحوظ في حالات الاكتئاب الشديدة التي يعاني أصحابها من ميول انتحارية.

فعلى عكس مضادات الاكتئاب الأخرى -مثل: مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية- التي تتطلب بعض الوقت، قد يؤتي الكيتامين نتائجه خلال ساعات قليلة، ويمتد تأثيره لأسبوع.

وتعرف الحالات المستعصية بأنها الحالات التي لا تستجيب لنوعين على الأقل من مضادات الاكتئاب؛ لذا فإن دواء الكيتامين قد يكون حلًا مناسبًا يسبق خطوة العلاج بالصدمة الكهربائية المتبع حاليًا. 

ما آلية عمل مخدر الكيتامين ؟

لا تزال آلية تأثير مخدر الكيتامين على علاج الاكتئاب غير مؤكدة حتى الآن، ولكن من المؤكد أن آلية عمله تختلف عن مضادات الاكتئاب المعتادة.

ويفتح ذلك الباب أمام فرضيات جديدة لعلاج الاكتئاب، بخلاف الفرضيات القائمة على نقص مستوى السيروتونين في الدماغ. 

إذ لم تتمكن هذه النظرية من تفسير لِمَ لا يستجيب البعض لمضادات الاكتئاب -التي ترفع مستوى السيروتونين مثلًا- مما يشير إلى وجود تفسير آخر أو طريقة أخرى لعلاج التغيرات التي تحدث في حالة الاكتئاب.

يبدو الأمر مبهمًا، أليس كذلك؟ اسمح لي إذًا – يا صديقي العزيز- أن أعرض عليك واحدة من الآليات المحتملة لدواء الكيتامين بشكل أبسط:

ما آلية عمل الكيتامين؟
  1. يتكون مخك من شبكة معقدة من الخلايا العصبية، وتتواصل هذه الخلايا فيما بينها عن طريق إرسال إشارات كهربية معينة.
  2. لكي تتمكن الخلية العصبية من نقل هذه الإشارة الكهربية إلى خلية أخرى، لابد لها من أن تطلق مادة كيميائية نسميها: النواقل العصبية.
  3. يُعد الغلوتامات ناقلًا عصبيًا مهمًا في المخ؛ إذ يلعب دورًا في عملية التعلم وبناء الذكريات، ويؤثر كذلك على شكل التواصل وقوة الإشارة بين الخلايا العصبية.
  4. تفترض إحدى النظريات أن التعرض لضغط عصبي بصورة مستمرة يؤثر على بعض مناطق المخ، ويؤدي إلى ضمور بعض الخلايا العصبية.
  5. ووُجِد أن هذه التغيرات بالمخ تتزامن مع نقص الغلوتامات في هذه المناطق، مما دفع الباحثون للتفكير في الكيتامين كمضاد محتمل للاكتئاب.
  6. يُثبط دواء الكيتامين مستقبل “د اسبارتات ن ميثيل – NMDA” الموجود بالمخ، مما يؤدي إلى رفع مستوى الغلوتامات ويحسِّن أعراض الاكتئاب. 

وتمنحنا هذه النظريات أملًا في اكتشاف سبل أفضل لعلاج الاكتئاب الذي لا يستجيب لمضادات الاكتئاب التقليدية.

سأكتفي بهذا القدر من الشرح، ولن أطيل عليك بذكر المستقبلات الأخرى التي قد يؤثر دواء الكيتامين عليها، فالحديث فيها يطول. 

ما الآثار الجانبية المحتملة للكيتامين؟

  • ارتفاع ضغط الدم.
  • الغثيان والقيء.
  • الصداع والدوار.
  • اضطرابات إدراكية مؤقتة: كأن تسمع أصواتًا غريبة، أو تشعر بتشوّش في  الرؤية.
  • إحساس مؤقت بالانفصال: كأن تتصور أنك قد غادرت جسدك وأن بإمكانك النظر إليه من أعلى.

وتعد هذه الآثار الجانبية مؤقتة؛ إذ تتحسن بعد توقف المحلول الوريدي الذي يحتوي على الكيتامين.

إلا أن هناك بعض المخاطر الأخرى التي ينبغي الالتفات إليها عند التعامل مع الكيتامين لفترة أطول، فعلى سبيل المثال:

  • من الممكن أن تقع فريسة لإدمان الكيتامين؛ إذ يؤثر على المستقبلات الأفيونية لديك، ويمنحك بعض الهلاوس السمعية والبصرية.
  • قد يؤثر على سلامة المثانة؛ فقد يسبب مشاكل كالسلس البولي -أو صعوبة التحكم في البول- وقُرح المثانة.
  • وقد يُحدِث سوء استخدامه لفترة طويلة ضررًا للكبد.

لِمَ لا يُستخدم مخدر الكيتامين على نطاق أوسع؟

لا تزال هناك العديد من المشاكل التي تقابلنا إذا ما أردنا استخدام الكيتامين لعلاج الاكتئاب؛ فأضراره المتعلقة بالإدمان ليست بالهينة.

ويحتاج الطبيب إلى متابعة بعض الأثار الجانبية على المريض خلال ساعة من تعاطيه الدواء.

ولكن يأمل الباحثون في اكتشاف آلية عمل الكيتامين بشكل أوسع.

مما يساعدهم على تطوير دواء آخر يتشابه في التأثير ويختلف في الآثار الجانبية. 

وقد سمحت هيئة الدواء والغذاء الأمريكية للأطباء المعتمدين باستخدام بخاخ جديد يحتوي على صورة أقوى من الكيتامين لعلاج الاكتئاب، ولكن في نطاق التجارب السريرية. 

ولما كان تأثير مخدر الكيتامين على علاج الاكتئاب -رغم فعاليته- مؤقتًا، فقد يتطلب الأمر عدة جرعات إضافية خلال فترة معينة حتى يحافظ على التأثير المرغوب.

ويُستخدم الكيتامين في هذه الحالة للحصول على نتيجة سريعة ولتهدئة الميول الانتحارية، قبل الاستمرار في مضادات الاكتئاب المعتادة، التي تتطلب بضع أسابيع قبل أن تأتي بنتائج مقبولة.

هنا -يا صديقي العزيز- تنتهي جولتنا مع تأثير مخدر الكيتامين على علاج الاكتئاب، جولة حملت وجوهًا نعرفها لأحبة وأصدقاء يُثقل الاكتئاب قلوبهم، ويحرمهم لذة العيش الهانئ الوديع. 

فإذا كنت تقرأ هذه السطور الآن لأنك مكتئب أو تعرف شخصًا عزيزًا مصابا بالاكتئاب، فأرجو منك ألا تفقد الأمل، وألا تستسلم فالفرج قريب، وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة!

المصدر
What is depression?What is ketamine?Ketamine for major depression: new tool, new questionsKetamine and depression: a narrative reviewBehind the buzz: How ketamine changes the depressed patient’s brainHow new ketamine drug helps with depression?Mechanisms of ketamine action as an antidepressantAltered connectivity in depressionFDA approves nasal spray medication for treatment-resistant depression
اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق