ترياق الأمراض النفسية

مراقبة النفس I self monitoring معي أم ضدي؟

“عندي مناسبة مهمة غداً، سيحضرها أشخاص مهمين، ماذا سأفعل؟ لابد أن أرتدي شيئاً جديداً وقيماً يعجب الحضور. 

يجب أن أتحدث بلباقة وألفت نظر الجميع…

هذه المناسبة سيحضرها المدير العام، علىّ التودد إليه، سأخبره عن إعجابي بشخصيته وأُشيد بإنجازاته، وأُحدثه عن نفسي وخبراتي ربما يجد لي وظيفة مرموقة أفضل مما أنا عليه الآن”.

يدور هذا الحديث في رأسك كثيراً، وتراقب أفعالك جيداً، تريد أن تكون محط أنظار الجميع وتتصرف وفقاً لمتطلبات الموقف بغض النظر هل يتوافق ذلك مع ما بداخلك أم لا.

سنتحدث في هذا المقال عن مراقبة النفس ومدى تأثيرها على السلوك.

تعريف مراقبة الذات

مراقبة الذات هي إحدى سمات الشخصية التي يحاول من خلالها الشخص أن يواكب المجتمع، ويقيّم بها مدى تطوره.

تسيطر هذه الصفة على بعض الأشخاص بشكل كبير، فهم لديهم مهارة عالية في تغيير سلوكهم للتأثير في انطباع الآخرين عنهم، واستيعاب المواقف الاجتماعية المختلفة.

وآخرون لا يلتفتون لهذه الصفة فكل ما يهمهم أن يكون سلوكهم انعكاس لما بداخلهم بالفعل.

الفرق بين المراقبة الذاتية العالية والمنخفضة

يرجع الأمر لعام 1974 عندما قدم مارك سنايدر (Mark Snyder) عالم الاجتماع نظرية المراقبة الذاتية التي تحدث فيها عن نوعين من الأشخاص:

النوع الأول: لديهم مراقبة ذاتية منخفضة 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

هؤلاء لا يكترثون لنظرة الناس لهم، فهم يتصرفون بشكل عفوي وبنفس الطريقة في كل المواقف بغض النظر عن الموقف نفسه.


يصرون على الاحتفاظ بهويتهم ولا يريدون تغييرها.

يعبرون عن معتقداتهم وميولهم بغض النظر عن الظروف الاجتماعية، ويعتقدون أن التصرف عكس ما يدور بداخلهم أمر كاذب وخادع؛ بالتالي هم أكثر عرضة للرفض ممن حولهم، وربما يفقدون صديقاً أو وظيفة بسبب ذلك.

النوع الثاني: لديهم مراقبة ذاتية عالية 

هؤلاء يدققون باستمرار في أفعالهم ومدى تأثيرها في الناس حولهم، ويتفاعلون بوعي شديد مع المواقف الاجتماعية المختلفة.

وعلى استعداد لتعديل سلوكهم حسب متطلبات الموقف لذلك هم أكثر تقبلاً ممن حولهم، ولديهم طموح عالٍ ويتولون مناصب مرموقة غالباً.

مراقبة الذات والتفكير

يجعلك التفكير الذاتي أو التأمل الذاتي تغوص بعمق داخل أفكارك لتقيّم نفسك ومواقفك ودوافعك.

ويساعدك بشكل عام في تقييم مسار حياتك وتحديد أهدافك، ومعرفة إذا كنت راضياً عن حياتك أو تحتاج بعض التغييرات.

لذلك عليك أن تجري مراجعة شخصية عميقة لحياتك كل فترة، هذا سيساعدك لتعيش حياتك بالوجه الذي يرضيك.

يساعدك التأمل الذاتي أيضاً على الوصول للصفاء الذهني والتخلص من الضغوطات اليومية، ويزيد قدرتك على التركيز.

فعندما لا تمارس التأمل الذاتي وتفكر في حياتك:

  • ستجد أنك تنشغل بأشياء غير مهمة وتغفل عن الأشياء الأكثر أهمية.
  • لا تستطيع تقييم الأمور، هل تسير على ما يرام بالفعل أم أنك تركض وتحاول مواكبة الأمور حتى إن كانت تسير عكس ما تريد. 
  • قد يجعلك هذا تستمر في وظيفة لا تحبها أو علاقة لا تسير بالشكل الصحيح.

أهمية المراقبة الذاتية؟

ربما يكون من الصعب تدريب نفسك على المراقبة الذاتية إذا كانت طبيعة شخصيتك لا تميل لذلك، لكنه ليس مستحيلاً.

فهو شيء مهم تحتاج لاكتسابه خاصةً إذا كان أحد الأسباب التي تمنعك من الارتقاء في حياتك المهنية وتقلل من فرص نجاحك.

تجعلك مراقبة النفس شخصاً طموحاً، فالأشخاص ذوو المراقبة الذاتية العالية عادةً يصبحون مُدَرَاء بسهولة.

يعملون كوسطاء جيدين في حل النزاعات لأنهم قادرين على استيعاب جميع الأطراف دون التورط.

ويمكنهم التقرب من الأشخاص المهمين الذين يساعدونهم بعد ذلك في الارتقاء بوظيفتهم.

وسواس مراقبة الذات

رغم أن مراقبة النفس باستمرار شىء جيد، إلا أنه قد يؤثر على سلامتك النفسية إذا زاد عن الحد. 

فعندما تقلق كثيراً بشأن مشاعر الآخرين قد يؤدي ذلك لمشاكل نفسية مثل: القلق الاجتماعي والخوف من التحدث أمام الناس.

اقرأ أيضاً: الخوف من الناس.

على سبيل المثال: ربما ضايقك ذات مرة موقفاً بسيطاً، لكنك ألقيت اللوم على نفسك وشغل حيزاً كبيراً من تفكيرك، فهو أشبه بكرة الثلج، يتضخم كلما فكرت به مراراً وتكراراً.

وأحياناً تسأل نفسك: كيف شعر هذا الشخص تجاهي؟ ما رأيه بي؟

وتلوم نفسك: أنا لست جيداً بما يكفي مقارنةً بالأشخاص في نفس عمري، أنا لست مثيراً للاهتمام.

وكثيراً من هذه المعتقدات التي تُعيق أداءك وتجعلك مقيداً وكأنك في سجن لا يمكنك التصرف بطبيعتك، وربما يدفعك الأمر للتنازل عن قيمك ومبادئك من أجل إرضاء الجميع.

كيف تتغلب على وسواس مراقبة النفس؟

في حين أنّ مراقبة النفس لها إيجابيات، لكن لا بد أن تبقى تحت السيطرة حتى تحافظ على نفسك الحقيقية مع الحفاظ على المرونة في التعامل مع الآخرين.

نسعى كلنا أن نكون مرغوبين ومُقَدّرين ممن حولنا، لكن علينا أن نقدّر أنفسنا أولاً، فإليك هذه النصائح لعلاج مراقبة النفس:

  • لا تبالغ في محاسبة نفسك ولا تقسو عليها، فكل شخص معرض للخطأ.
  • القلق بشأن مشاعر الآخرين شىء جيد، لكن ليكن القلق على قدر الموقف.
  • توقف عن التفكير فيما يجب عليك قوله، أو كيف يجب أن تبدو تعبيرات وجهك، فقط استمع وركز على الآخر، حينها سيخرج سلوكك بشكل طبيعي بما يتناسب مع الموقف.
  • تذكر دائماً (أنا لي قيمة بغض النظر عن رد فعل الآخرين).
  • حاول دائماً أن تنمي الأفكار الإيجابية وتسيطر على الأفكار السلبية.

في النهاية… مراقبة الذات وتطويرها من أجل التعامل مع المواقف الاجتماعية المختلفة شىء مهم ويصب في مصلحتك، لكن الأهم من ذلك مراقبة النفس في السر والعلن، ليكن هدفك دائماً الارتقاء بنفسك من أجل نفسك أولاً ثم من أجل كسب الآخرين.

كتبته: إيناس النادري

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى