ترياق الأمراض النفسية

مرض البوليميا والأميرة ديانا

في تسعينيات القرن الماضي، ذاع صيت مرض البوليميا والأميرة ديانا، إذ كانت مفاجأة مدوِّية للكثيرين عندما سمعوا كيف عانت أميرة الشعب مع الشره العصبي، ولم يُخيَّل لعقلٍ كيف لهذه السيدة النحيلة أن تكون ممَّنْ يلتهمون كميات كبيرة من الطعام دون توقف!

هكذا تُعبِّر هذه القصة عن حياة الكثيرين وحكايتهم مع المرض؛ ظاهرها امرأة جميلة ذات مظهر جذاب وطباع مثالية، وباطنها عذاب فقد السيطرة على النفس.

عانت الأميرة ديانا كثيرًا الضغوط العاطفية في علاقتها بزوجها، ولم تجد وسيلة لتفريغ مشاعرها سوى التهام كميات كبيرة من الطعام، تُتبِعها بمحاولات التخلص منه، للتخلص من الشعور بالذنب!

هكذا ظلَّت أميرة الشعب تعاني مع الشره العصبي لِمَا يقرب من عشرة أعوام، إلى أن قررت التوقف،
وبعدها بأعوام قليلة ظهر ما يُسمَّى بـ”تأثير ديانا”، فهل تعرف ما هو؟!

في هذا المقال، نتحدث عن كيفية التعامل مع مرض البوليميا من خلال فهم أسباب ومضاعفات المرض،
وكيفية اكتشافه عند شخص قريب منك، محلِّقين حول قصة مرض البوليميا والأميرة ديانا، فتابع معنا…

ما هو مرض البوليميا ؟

هو التهام الطعام بكميات تفوق حد الشبع بسبب رغبة مُلِحَّة من عقلك، يتلوها شعور بالذنب وعدم الرضا عن النفس،
مما يدفعك إلى محاولة التخلص مما تناولته بطُرُق متعمَّدة.

مرض البوليميا

فقد يلجأ البعض إلى القيء المتعمَّد، أو تناول المليِّنات، أو استخدام الحقن الشرجية أو مدرات البول، أو المكملات الغذائية التي تساعد على إنقاص الوزن، بالإضافة إلى محاولات بذل جهد بدني كبير، أو اتباع نظام غذائي صارم كالصوم المتواصل؛ خوفًا من زيادة الوزن.

يمكن تشخيص الإصابة بمرض البوليميا عندما يتكرر هذا الأمر مرة واحدة على الأقل أسبوعيًا، لمدة ثلاثة أشهر.

مَنْ أكثر عرضة للإصابة بـ مرض البوليميا ؟

تشيع الإصابة بمرض البوليميا بين المراهقين وفي أولى سنوات الشباب، إذ تكثر الضغوط العاطفية والنفسية التي لها دور كبير في الإصابة به، بالإضافة إلى تأثرهم بآراء مَنْ حولهم في مظهرهم، وأثر ذلك في رضاهم عن أنفسهم.
كما أن النساء أكثر عرضة له من الرجال.

أسباب الإصابة بمرض البوليميا

قد يكون السبب وراء مرض البوليميا غير واضح حتى الآن، لكن هناك بعض العوامل التي تزيد من فرص الإصابة به، من هذه العوامل:

الجينات

العامل الوراثي له تأثير مع مرضى البوليميا؛ فوجود خلل جيني أو تاريخ عائلي -لأحد أقاربك من الدرجة الأولى،
والذين يعانون هذه الحالة- يزيد من احتمالية تعرُّضك لها.

النظام الغذائي

يميل بعض الأشخاص الراغبين في إنقاص وزنهم إلى تجنُّب كثير من الأطعمة، والالتزام بنظام غذائي صارم يُفقِدهم لذَّة التمتع بالأكلات المحببة لهم، الأمر الذي يصبح أكثر صعوبة مع محبي الطعام، لكنهم يقعون تحت ضغط الرغبة في إنقاص وزنهم.

كما أن مَنْ ينشدون المثالية (perfectionists) قد يعانون مع فكرة الحصول على وزن مثالي، وتصبح فكرة زيادة الوزن مسيطرة عليهم.

أسباب الإصابة بمرض البوليميا

لذا، في حالة البوليميا وإنقاص الوزن، قد يقع البعض في فخ النهم العصبي. ومن ثَمَّ، يشعرون بذنب كسر النظام،
فيحاولون التخلص مما تناولوه.

عندما تُغلَق هذه الدائرة: الاندفاع إلى تناول كميات هائلة من الطعام سرًا، ثم الشعور بالذنب، ثم محاولة التخلص منه عمدًا؛ هكذا يصابون بالبوليميا.

الحالة النفسية

تؤثر الضغوط النفسية في نمط تناول الطعام لدى كثير من الناس. لذا، وجود بعض الاضطرابات النفسية
-مثل القلق النفسي، أو الاكتئاب– قد يؤدي إلى الإصابة بالشره العصبي، كذلك الأمر بالنسبة للحوادث المأساوية في الحياة.

الضغوط العاطفية

يُقصَد بها أثر العلاقات في حياة الشخص، وتأثره بمَنْ حوله؛ فالمراهق -على سبيل المثال- قد يعاني توترًا في علاقته بأفراد أسرته -كوالديه- إذا كان يتعرض للنقد الدائم بسبب وزنه أو مظهره أو مستواه الدراسي، وهذا قد يدفعه إلى تناول الطعام سرًا بكميات كبيرة للتنفيس عن غضبه.

مثالٌ آخر نراه في رؤية شريك الحياة ونقده الجارح؛ فإن كان زوجكِ يصرُّ على رغبته في تمتُّعك بقوام مثالي،
ويعطيكِ ملاحظاته طوال الوقت، هذا الأمر قد يمثل ضغطًا هائلًا عليكِ، وقد يدفعكِ إلى تلك الحافة رغمًا عنكِ.

النقطة السابقة هي سبب ارتباط ذِكر مرض البوليميا والأميرة ديانا معًا، إذ عانت الأميرة الجميلة كثيرًا المشاكل العاطفية مع زوجها، وتوترت علاقتهما، بالإضافة إلى الضغوط الواقعة عليها كونها محل أنظارٍ للجميع كجزء من العائلة المالكة.

مضاعفات المرض

يُعَدُّ الشره العصبي -أو البوليميا- من اضطرابات الأكل المهدِّدة للحياة، إذ يسبب العديد من المضاعفات الخطيرة التي قد تُودي بحياة المصاب به في بعض الأحيان. من هذه المضاعفات:

  • الجفاف، إذ إن القيء المتعمَّد يُفقِد الجسم العديد من العناصر الهامة -مثل الصوديوم والبوتاسيوم- مما قد يؤثر في وظائف الكلى.
  • مشاكل بالقلب؛ فنقص البوتاسيوم يؤثر في عضلة القلب، وقد يصل الأمر إلى السكتة القلبية.
  • اضطرابات بالمعدة؛ فالضغط المستمر لتحفيز التقيؤ قد يؤثر في جدار المعدة والمرئ، ما قد يسبب القيء المدمَّم -ظهور دم في القيء- بسبب جرح تلك الأغشية.
  • تسوس الأسنان ومشاكل اللثة بسبب القيء المستمر.
  • ظهور تقرحات على الأصابع وجفافها نتيجة استعمالها للتقيؤ بشكل دائم.
  • عدم انتظام الدورة الشهرية أو انقطاعها.
  • القلق النفسي.
  • ضعف الثقة بالنفس، وانعدام الرضا عن الذات.
  • الاكتئاب، والرغبة في الانعزال معظم الوقت للتخفي عن الأنظار.

كيف تكتشف إصابة شخص تعرفه بـ مرض البوليميا ؟

قد يكون السبب الرئيس في عدم ملاحظة هذا المرض على أقرب الأشخاص لك هو كونه يتم في السر،
إذ يشعر مريض البوليميا بالحرج من الكميات التي يتناولها، وكذلك من طريقته في أثناء الأكل؛ فهو يأكل بشراهة
دون مضغ أو تمييز الطعام الداخل إلى فمه، المهم هو إفراغ طاقته في التهام أكبر قدر ممكن من الطعام أمامه.

لكن لأن النصف الثاني من المرض يتعلق بالشعور بالذنب والرغبة في التخلص مما تم تناوله، تظهر بعض العلامات المميزة على مريض البوليميا، منها:

  • التفكير الدائم في وزنه، بالرغم من أن مرضى البوليميا غالبًا ما يكونون بوزن طبيعي أو أكثر قليلًا.
  • امتلاك صورة ذهنية سيئة عن مظهره، والتعبير عن عدم رضاه عن وزنه بشكل مستمر.
  • تناول كميات كبيرة من الأطعمة -خاصة غير المفيدة، أو المحتوية على دهون وسعرات حرارية عالية- في جلسة واحدة.
  • عدم الرغبة في تناول الطعام أمام أحد.
  • الذهاب إلى الحمام بعد تناول الطعام مباشرة، أو البقاء طويلًا فيه.
  • ممارسة التمارين الرياضية القاسية بعد تناول الطعام.
  • تكرار بدء حمية غذائية صارمة وعدم الالتزام  بها لفترات طويلة.
  • كثرة استخدام الملينات، أو مدرات البول، أو الأعشاب التي تساعد على إنقاص الوزن.

بالرغم من كونها علامات غير مميزة، إلا أن مريض البوليميا قد يعاني سنواتٍ طويلة قبل أن يكتشف أحد أمره.
لذا، كن حذرًا، وانتبه لتصرفات مَنْ تحب.

علاج مرض البوليميا

هناك خطاب مؤثر عن مرض البوليميا والأميرة ديانا، وجَّهت فيه الأميرة الجميلة بأهمية الانتباه إلى مساعدة مريض البوليميا؛ فالمعاناة مع هذا المرض تدمر صاحبها جسديًا ونفسيًا، وقد تودي بحياته.

لذا، بجرأتها وشجاعتها في إعلان معاناتها مع المرض، ظهر ما يُسمَّى بـ”تأثير ديانا”، إذ تشجَّع كثير ممَّنْ يعانون مع البوليميا سرًا على الاعتراف بمعاناتهم وطلب المساعدة، وزاد وعي الناس بخطورة اضطرابات الأكل النفسية وتدميرها للحياة، وأهمية توفير الدعم وطرق العلاج المناسبة.

ويمكن علاج مرض البوليميا عن طريق:

الأدوية

لتعويض نقص الجسم من الفيتامينات والمعادن الهامة التي فقدها، وإصلاح الضرر الناتج عن الجفاف.

العلاج النفسي

بالعمل على تصحيح أفكار المريض بواسطة العلاج المعرفي السلوكي، وتغيير نظرته لذاته وعلاقته بالطعام.
كما أن وجود اكتئاب أو قلق نفسي مصاحب للبوليميا يزيد الأمر تعقيدًا، ويصبح العلاج النفسي لهما ضرورة.

التغذية المتوازنة

يمكنك المتابعة مع اختصاصي تغذية يعينك على اتباع نظام غذائي صحي متوازن ومناسب لك.

الدور المجتمعي

لا يمكن إنكار تأثير المجتمع في تحديد معايير الجمال من الوزن المثالي والقوام الممشوق، لكن تأثير الإعلانات الموجهة إلى النساء والمراهقين خاصة، كذلك وجود بعض تلك المعايير للقبول في وظيفة ما، قد يؤدي إلى اضطرابات الأكل المهدِّدة للحياة. لذا، فهو ليس بهذه البساطة أبدًا!

أخيرًا…

عزيزي القارئ، لن يخبرك أحد أن الأمر سهل، لكن اكتساب بعض العزيمة والصلابة النفسية قد يكون ضروريًا في بعض الأحيان إذا كان الخطر مهددًا لحياتك.

فأولى بك جمع شتات نفسك، وإخبارها أنك تستحق أن تنعم بحياة خالية من تلك المعاناة؛ فربما حان الوقت لتتحدث وتطلب المساعدة الآن!

المصدر
BulimiaBulimia in Royalty – Inside Princess Diana’s Eating DisorderBulimia nervosa20 Years Later: How Princess Diana's Legacy Continues to Help People with Eating Disorders
اظهر المزيد

د. آلاء عمر

آلاء عمر، صيدلانية، أم، وكاتبة محتوى طبي، أهدف إلى إيصال المعلومة الطبية للقارئ بسهولة وزيادة الوعي الطبي لدى الناس. مهتمة بمجال الصحة النفسية وما يخص الطفل والمرأة طبياً. مؤمنة بقدرة الإنسان على اكتساب الوعي والتغيير الإيجابي للإرتقاء بمستوى حياته للأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق