ترياق الأمراض النفسية

هل يمكن الشفاء من مرض الصرع نهائيًّا ؟

بدأ الأمر عندما كنت ألعب مع أقاربي، إذ سقط أحدهم على الأرض، وشرع في حركات غريبة بدت لي أكثر رعبًا من أن تكون لعبة جديدة!

الْتَفَّ حولنا الكبار، وتواريت خوفًا… 

لم يتجاوز الأمر بضع دقائق… 

والغريب في الأمر أنه لم يتذكر شيئًا مما حدث! 

أخبرنا بعد ذلك أنه كان يشعر فقط ببعض التعب والإجهاد. 

حضر الطبيب للفحص… 

سمعته يقول إنه مصاب بـ “مرض الصرع”.

وسمعت الكبار يتساءلون: «هل يمكن الشفاء من مرض الصرع نهائيًّا؟» 

لكن أكثر سؤال تردد فيما بينهم: «ما هو مرض الصرع؟!»

هذا ما ستعرفه في السطور التالية… فتابع القراءة.

ما هو مرض الصرع؟

التعريف العلمي للصرع هو: 

اضطراب في الجهاز العصبي المركزي، يحدث معه اختلال في حركة الجسم وفقدان الإحساس والوعي، لمدة تتراوح بين ثوانٍ وعدة دقائق. 

حيث تنطلق من المخ إشارة كهربائية شاذة أقوى من الطبيعية؛ فينتج عنها عدة تشنجات متكررة تسمى بـ “التشنجات الصرعية”.

نظرة تاريخية على الصرع

يظن بعضنا أن مرض الصرع مستحدث، لكن بمراجعة التاريخ نجد أنه مرض قديم لكنه كان مبهمَ التشخيص.

ظن الناس في البداية أنه غضب إلهي على الشخص المصاب، وبمرور الزمن تغيرت نظرتهم له فرأوا أنه مس من الشيطان.

إذ يعاني الشخص المصاب الوحدة والاكتئاب؛ لابتعاد الناس عنه.

ومازالت الأبحاث مستمرة لمعرفة: هل يمكن الشفاء من مرض الصرع نهائيًّا؟ أم لا؟

أسباب مرض الصرع

لا يُعرف إلى الآن السبب في النشاط المفاجئ لكهرباء المخ، لكن هناك عدة عوامل تتسبب في حدوث التشنجات، منها:

  • الجينات الوراثية.
  • إصابات الدماغ.
  • الحمى الشديدة.
  • السكتات الدماغية: 

تعد في الأغلب السبب الرئيسي للإصابة لمن فوق سن الخامسة والثلاثين.

  • نقص الأكسجين الواصل للمخ.
  • أورام المخ.
  • مرض الزهايمر أو الخرف.
  • الأمراض العصبية.
  • الأمراض المعدية، مثل: مرض الإيدز والالتهاب السحائي.
  • الإصابات في أثناء الحمل التي من الممكن أن تؤثر في الجنين.
  • وجود تشوه في تكوين المخ.
  • نقص الأكسجين في أثناء الولادة.

الأعراض

العرض الشائع هو التشنجات المتكررة، ويصاحبها عدة آثار جانبية ناتجة عن تأثير هذه التشنجات في أجزاء المخ المختلفة، مثل:

  • فقدان الوعي المؤقت.
  • حركات لا إرادية للأطراف.
  • التحديق في الفراغ.
  • فقدان مؤقت للذاكرة.
  • بعض الأعراض النفسية، مثل: الخوف والقلق.

وبالطبع تختلف الأعراض باختلاف أنواع التشنجات وشدتها.

أنواع نوبات التشنجات

يُقسم الأطباء أنواع التشنجات بناءً على كيف بدأ اختلال كهرباء المخ، إلى:

  • النوبات البؤرية.
  • النوبات المعممة.

النوبات البؤرية

تسمى البؤرية أو الجزئية؛ لأن نشاط كهرباء المخ غير الطبيعي يكون في منطقة واحدة من المخ.

كذلك يصعب تشخيصها بدون الفحوصات الطبية والأشعة؛ نتيجة تشابه أعراضها مع أعراض أمراض أخرى مثل الصداع النصفي وغيره.

وتنقسم إلى نوعين، هما:

  • نوبات بؤرية بدون فقدان الوعي: 

لا يتعدى الأمر كونه تغيرًا في الحواس (مثل الرؤية والسمع) مع حركات مفاجئة لا إرادية للأطراف؛ لذا تسمى النوبة البؤرية البسيطة.

  • نوبات بؤرية مع فقدان الوعي: 

تسمى النوبات البؤرية المعقدة؛ إذ يتخطى الأمر كونه مجرد حركات مفاجئة ويصل إلى فقدان الوعي المؤقت أو حركات متكررة، مثل: 

  • التحرك في دوائر.
  • المضغ والبلع بصورة غير طبيعية.
  • فرك اليدين. 
  • التحديق في الفراغ.

النوبات المعممة

وتشمل جميع أجزاء المخ، وتقسم إلى ستة أنواع:

  1. نوبات الصرع المصحوبة بالغيبة (نوبات الصرع الصغير): 

– وفيها يحدق المصاب في الفراغ مع حركات متكررة، مثل: لعق الشفاه أو الرمش أو عمل حركات حادة بالأطراف. 

– يصاحبها تغيب الوعي لفترة وجيزة.

– تحدث عادة في الأطفال.

  1. نوبات الصرع التوتري: 

في هذا النوع تتصلب العضلات، خاصة عضلات الظهر والقدمين والذراعين؛ مسببة سقوط المريض.

  1. نوبات الصرع الارتخائي: 

يحدث فيها ارتخاء تام للعضلات مع فقدان السيطرة عليها. 

لذا؛ دائمًا ما يسقط المريض أرضًا فجأة، ولذلك تسمى “نوبات السقوط”.

  1. نوبات الصرع الارتعاشي: 

عادة ما تؤثر في الوجه والرقبة والذراعين. وترتبط النوبة دائمًا بارتعاش العضلات.

  1. نوبات الصرع الرمعية العضلية: 

إذ تتشنج عضلات الساق والذراع فجأة مع حدوث رعشات عضلية قصيرة.

  1. نوبات الصرع التوترية الرمعية (نوبات الصرع الكبير): 

هي أكثر أنواع نوبات الصرع شيوعًا، وفيها يفقد المريض الوعي تمامًا.

يصيب المريض بها رعشة أو تصلبًا في العضلات. ويكون التبول اللا إرادي وعض اللسان أمرَين واردَي الحدوث.

العوامل التي تساعد على حدوث التشنجات

  • قلة النوم.
  • الحُمى.
  • الضغط النفسي والتوتر العصبي.
  • الضوء الشديد.
  • الكافيين والكحوليات.
  • عدم الاعتدال في تناول الوجبات سواء بالإكثار أو التقليل منها.

 التشخيص

بما أن التشنجات عرض مشترك بين أكثر من مرض؛ فإن الطبيب يعتمد على التاريخ المرضي، وطبيعة الأعراض المصاحبة للنوبة ومدتها. 

ويعتمد أيضًا على الاختبارات التالية:

  • اختبار الدم؛ لاستبعاد العدوى.
  • الاختبارات التي توضح تخطيط المخ، ووجود أي أورام أو عدم وجودها، وتوضح أماكن حدوث التشنجات وأسبابها، مثل:
    • التخطيط الكهربي للمخ (EEG).
    • التصوير المقطعي (CT).
    • تصوير الرنين المغناطيسي (MRI).
    • التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET).
    • التصوير المقطعي المحوسب بإصدار فوتون واحد (SPECT).

علاج مرض الصرع

  • الأدوية المضادة للتشنجات: 

مثل: 

  • ليفيتيراسيتام (Levetiracetam)  
  • لاموتريجين (Lamotrigine). 
  • توبيراميت (Topiramate). 
  • حمض الفالبوريك (Valporic Acid).  
  • كاربامازيبين (Carbamazepine).
  • الجراحة: 

إذا لم يكن الدواء فعالًا يكون التدخل الجراحي هو الحل الأمثل، وذلك بإزالة البؤرة النشطة في المخ.

  • نظام كيتو الغذائي: 

إذ أثبتت بعض الدراسات أن النظام الغذائي المحتوي على القليل من الكربوهيدرات مع كثرة الدهون فعال في تقليل حدوث التشنجات.

هل يمكن الشفاء من مرض الصرع نهائيًا؟

لا يوجد حتى الآن علاج نهائي للصرع، ولكن يمكن التحكم في حدوث التشنجات بالمواظبة على الأدوية الخاصة بمرض الصرع.

إن التشخيص المبكر للمرض وتحديد كيفية التعامل معه يمنعان تطور المرض.

هل مرض الصرع وراثي؟

يرتبط ظهور مرض الصرع بنحو 500 جين، فمما لا شك فيه أن احتمالية الإصابة بالمرض تزداد مع إصابة أحد الوالدين. 

ولكن النسبة لا تتعدى 1%-2% طبقًا لآخر الأبحاث؛ فالكثير من مرضى الصرع لديهم أطفال أصحاء.

هل مرض الصرع معدٍ؟

مرض الصرع مرض عصبي، ولا يعد من الأمراض المعدية مطلقًا.

فلا يصح معاملة مريض الصرع على أنه موبوء.

الحمل والصرع

لا يَمنع مرض الصرع الحمل، ولكن تكمن المشكلة في تأثير أدوية الصرع المُشوِّه للأجنة.

مضاعفات مرض الصرع

تكمن خطورة أي مرض دائمًا في المضاعفات الخطيرة، كما في مضاعفات مرض الصرع التالية:

  • موت مفاجئ دون أي أسباب. 
  • عدم التنبؤ بوقت حدوث النوبات قد يسبب الحوادث.
  • التشنجات الشديدة المتكررة قد تسبب تلف خلايا المخ.

التعايش مع مرض الصرع

التعايش مع مرض الصرع

من الحكمة الكف عن التساؤل: «هل يمكن الشفاء من مرض الصرع نهائيًا؟» 

وبدلًا من ذلك، توجيه الجهود للتعامل مع المرض لكونه مزمنًا، وتأهيل المريض والمحيطين به للتعايش معه.

وإليك النصائح التالية:

  • الانتظام في تناول الأدوية.
  • تجنب قيادة السيارات.
  • المداومة على متابعة الطبيب.
  • توعية الأشخاص المحيطين بالمرض وكيفية التعامل معه.
  • عدم الانسياق وراء التعليقات التي تسبب الإحباط. 
  • التوجه للطبيب النفسي عند الحاجة إليه.
  • الحفاظ على نظام غذائي جيد مع ممارسة الرياضة. 
  • متابعة أحدث الدراسات في اليوم العالمي للصرع من كل عام لمعرفة كل جديد.

هل تعلم يا عزيزي القارئ أن مرض الصرع لُقِّب بـ “المرض المقدس” أو “مرض العظماء”؟! 

إذ أُصيب به الكثير من الملوك والعظماء. 

فلا تبتئس، وأيقن أن لكل داء دواء.

بقلم د/ هبة الجوهري

المصدر
Epilepsy
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق