ترياق الأمراض النفسية

أسباب مرض الفصام

أحد أفراد عائلتي المقربين يعاني مرض الفصام منذ مدة طويلة، وتردد إلى الكثير من الأطباء النفسيين للعلاج. وكلما سأل أحدهم عن أسباب مرض الفصام، لا يجيبه إجابة شافية واضحة!

وُفِّقنا منذ فترة وجيزة في العثور على استشاري نفسي ذي خبرة طويلة، فقصدناه للفحص والعلاج.

وفي إحدى مراجعاته، رافقت قريبي وسألت الطبيب عن مرض الفصام وأسبابه، فأفادني بالمعلومات التالية…

ما هو مرض الفصام (Schizophrenia

هو اضطراب ذهني حاد مزمن، يؤثر في طريقة تفكير الشخص المصاب به، وتصرفاته، وتعبيره عن مشاعره، وإدراكه للواقع، وبناء علاقاته مع الآخرين.

وعلى الرغم من قلة انتشاره مقارنة بالأمراض الذهنية البارزة الأخرى، إلا أنه يُعَدُّ من أشدها تأثيرًا في حياة المصابين به بشكل سلبي.

ولتفاصيل أكثر عن مرض الفصام وأنواعه وأعراضه، يمكنك مراجعة مقال أعراض الفصام … هلاوس وضلالات!

أسباب مرض الفصام 

لا يُعلَم -على وجه التحديد- سبب معين لمرض الفصام، ولكن يعتقد الخبراء أن هناك مزيجًا من العوامل الوراثية والبيئية التي تزيد من فرص الإصابة بمرض الفصام.

وكذلك يرون أن بعض الأشخاص أكثر عرضة للإصابة به من غيرهم، كما أن بعض المواقف والأزمات قد تكون من أهم محفزاته.

وفيما يأتي نناقش بعض الأسباب الممكنة:

1- العوامل الوراثية

وتعَدُّ من أهم عوامل الإصابة به، ويمكن أن تكون تفسيرًا لإصابة عدد من أفراد العائلة الواحدة به.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

ولا يعتقد الباحثون أن جينًا قد يسبب الإصابة بمفرده؛ ولكنهم يشتبهون في مجموعة من الجينات التي قد تزيد من قابلية إصابة الشخص بالفصام.

وأظهرت دراسات أُجرِيَت على توائم أن العوامل الوراثية تؤدّي دورًا أساسيًا في الإصابة بالمرض، بالإضافة إلى الأسباب الأخرى.

حيث ظهر أن إصابة أحد التوائم المتماثلة بالفصام يزيد من احتمالية إصابة التوأم الآخر به بنسبة 50%، حتى وإن افترقا في أثناء نشأتهما ونموهما.

وفي حال إصابة أحد التوائم غير المتماثلة بالفصام، فإن احتمالية إصابة الآخر تقل إلى نسبة 12.5%. وفي المقابل، فإن نسبة الإصابة بالفصام في العموم هي 1%.

2- نمو الدماغ

ذكرت إحدى الدراسات ارتباط فقد بعض أنسجة الدماغ لدى صغار السن بظهور بعض أعراض الفصام، مثل: الهلاوس.

وفي دراسة أخرى، قُورِنَت صور الرنين المغناطيسي للمخ لدى مراهقين -بعمر الرابعة عشرة- لا يشكون من أعراض الفصام مع صور لمراهقين آخرين يعانون أعراض الفصام.

وظهر أن المراهقين الذين يعانون أعراض الفصام لديهم نقص في أنسجة المخ أكثر من الآخرين.

وأشارت دراسة أخرى إلى أن البالغين ممَّن تظهر عليهم أعراض الفصام قد يعانون نقص المادة الرمادية في الدماغ، وهي أحد العناصر الرئيسية فيه.

وفي دراسة أخرى أُجرِيَت على دماغ بعض المصابين بالفصام بعد وفاتهم، أظهرت الاختلاف في تركيب الدماغ عمَّا كان عليه وقت الولادة.

3- التغيرات الكيميائية في الدماغ

توجَد مواد كيميائية في الدماغ تسمَّى “النواقل العصبية”، وهي مسؤولة عن نقل الإشارات العصبية بين خلايا المخ.

يعتقد العلماء أن اختلال توازن هذه النواقل العصبية من أهم أسباب الإصابة بالفصام وغيره من الأمراض الذهنية،
ومن أهم هذه النواقل العصبية: الدوبامين، والجلوتامات.

يحظى الدوبامين بالكثير من اهتمام الباحثين، لارتباطه بالإدمان وغيره من الاضطرابات النفسية والحركية، مثل مرض الشلل الرعاش (Parkinson’s disease).

ولارتباطه أيضًا ببعض أعراض الفصام، مثل الهلاوس والتوهمات، بسبب زيادة نشاط الدوبامين في بعض أجزاء الدماغ. لذا، فإن معظم الأدوية المضادة للفصام تؤدي مفعولها كمضاد للدوبامين.

واكتشفت إحدى الدراسات أن الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالفصام قد تلاحَظ عليهم زيادة نشاط الجلوتامات بمناطق معينة من الدماغ في بداية الأمر، ومع تقدم المرض يخبو هذا النشاط بشكل ملحوظ.

ويعمل الباحثون على معرفة كيفية عمل الدوائر العصبية التي تحتوي على هذه المواد الكيميائية مع بعضها، وعن علاقتها ببعضها البعض.

4- المضاعفات التي تحدث في أثناء الحمل والولادة

ومن هذه المضاعفات ما يأتي:

  • الوزن المنخفض عند الولادة.
  • العدوى أثناء الحمل.
  • نقص الأكسجين أثناء الولادة (Asphyxia).
  • الخداج (الولادة المبكرة).
  • إصابة الأم بالسمنة في أثناء الحمل.

وكلما زادت الإصابة بهذه المضاعفات أو غيرها، زادت احتمالية إصابة المواليد بها، بالإضافة إلى إصابة الأم نفسها بمرض الفصام.

ولا يعلَم حينئذٍ بشكل واضح ما إذا كان سبب إصابة الأطفال بالفصام ناتجًا عن سبب وراثي، أو ناتجًا عن هذه المضاعفات، أو أن يكون ناتجًا عنهما معًا.

5- إدمان المخدرات والكحوليات 

قد يعاني بعض الناس أعراض الفصام بعد تعاطي الحشيش أو غيره من أنواع المخدرات الأخرى.

ولم يتأكد لدى الباحثين بعدُ ما إذا كان تعاطي هذه المخدرات سببًا من أسباب الإصابة بالفصام، أو أن إصابة الشخص بالفصام قد تكون سببًا في زيادة قابليته للتعاطي.

وقد أشارت بعض الأبحاث إلى أن تعاطي المخدرات قد يؤدي إلى ازدياد سوء أعراض الفصام، وأن إدمان المخدرات قوية المفعول قد يزيد من احتمالية انتكاسة المدمنين خلال فترة التعافي.

كما يمكن أن يؤدي التدخين وشرب الكحوليات إلى التعارض مع مفعول الأدوية المضادة للفصام، والتأخر في علاج مرض الفصام.

وأظهرت أبحاث أخرى أن إدمان المخدرات في فترة المراهقة والشباب يزيد من فرص الإصابة بالفصام مع التقدم في العمر.

6- العوامل المؤثرة المحيطة

ومن أهم هذه العوامل وأخطرها، الضغوط النفسية والصدمات العاطفية القوية، حيث تؤدي كثرة التعرض لها إلى الإصابة بالفصام، أو اشتداد خطورة المرض.

ومن أهم أسباب هذه الضغوطات والصدمات ما يأتي:

  • الفجيعة بفقد الأحِبَّة.
  • فقدان الوظيفة، أو خسارة المشاريع والصفقات التجارية.
  • الطلاق والتصدع الأسري.
  • انتهاء العلاقات العاطفية بشكل مأساوي.
  • التعرض للتحرش الجنسي أو الاعتداء الجسدي أو العاطفي.

7- أسباب أخرى

مثل: كِبَر السن، بعض مشاكل الجهاز المناعي كأمراض المناعة الذاتية، تناوُل بعض الأدوية المؤثرة في العقل،
التعرض للسموم والبكتريا والفيروسات، أو العيش في المناطق العشوائية الفقيرة… إلخ.

كيف يمكن تلافي الإصابة بالفصام؟

على الرغم من عدم وجود طرق مُثبَتة لمنع وعلاج مرض الفصام نهائيًا، فإن العلماء ما زالوا يبحثون كيفية تقليل احتمالات الإصابة به. وفيما يأتي بعض هذه الوسائل:

  • المحافظة على صحة الأم في أثناء الحمل، سواء من الناحية النفسية أو العضوية. 
  • مراعاة الأولاد في سن الطفولة، وحمايتهم من كافة المخاطر المحيطة، كالإصابات الجسدية المباشرة، والنزاعات والانشقاقات الأسرية، ومحاولات الاعتداء والتحرش الجنسي.
  • الابتعاد عن طريق إدمان المخدرات والكحوليات، وغيرها من الأدوية النفسية، خصوصًا في مرحلة البلوغ.
  • تجنب المواقف والأحداث المحزنة قدر الإمكان، والتدرب على كيفية التعامل مع الضغوط والصعوبات اليومية.
  • إقامة علاقات اجتماعية قوية؛ تزيد الثقة بالنفس، وتقلل الإحساس بالتوتر، وتحول دون الشعور بالوحدة والانعزال.
  • الاهتمام بالتغذية الصحية، وممارسة الرياضة بانتظام، واتباع سُبل الحماية من الإصابات في أثناء الرياضة،
    مثل ارتداء خوذات الرأس لتفادي الإصابة خلال ركوب الدراجات أو الرياضات القتالية.
  • تناول الأغذية المحتوية على أحماض أوميجا-3 الدهنية، حيث أشارت إحدى الدراسات إلى دورها في الحد من تفاقم أعراض الفصام، بل والحد من الإصابة به في الأطفال ممَّن لديهم عوامل أخرى تزيد من فرص الإصابة.
  • لا تتردد في استشارة المختصين النفسيين عند إحساسك بأي أعراض أو مشاعر غير طبيعية؛ فبعض أنواع العلاج النفسي -مثل العلاج المعرفي السلوكي– قد تساعدك على التحسن في مراحل الفصام المبكرة، وتخفف من تأثيرها في الأنشطة اليومية المعتادة.

ولم ينسَ الطبيب في نهاية حديثه أن ينبه على خطورة تعاطي مضادات الفصام بدون استشارة طبية،
وشدد على ضرورة الالتزام التام بجرعاتها الموصوفة لتحصيل أكبر استفادة منها، ولتفادي أعراضها الجانبية المحتملة.

المصدر
6 Causes of Schizophrenia That May Surprise YouSchizophreniaSchizophreniaSchizophrenia
اظهر المزيد

Mohammed Saad

صيدلي ومترجم طبي وكاتب محتوى طبي، أسعى إلى تبسيط وإثراء المحتوى العلمي العربي؛ لإلسهام في نشر الوعي والثقافة الطبية في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى