ترياق الأمراض النفسية

هل يمكن الشفاء من مرض الوسواس القهري ؟

أعلم أنني عبء كبير على عائلتي، ولا أعرف كيف يستطيعون التعامل مع الهواجس والشكوك الدائمة التي أخبرهم بها.

أنا مصاب بالوسواس القهري منذ مدة طويلة؛ أذهب كل يوم إلى عملي بصعوبة، إذ أنني أستيقظ من نومي قبل عدة ساعات من موعد العمل، لأنني أمضي وقتًا طويلًا في غسيل يدي والتأكد من نظافة ملابسي.

ولا يستطيع أي فرد من أسرتي الدخول إلى غرفتي، إذ تنتابني نوبات من الهلع عندما أشاهد أي تغيير في أغراضي الشخصية، وكل ما أريده أن أجد إجابة لهذا السؤال: هل يمكن الشفاء من مرض الوسواس القهري؟

نتحدث في هذا المقال عن اضطراب الوسواس القهري، وأعراضه، ونسبة الشفاء منه.

ما هو مرض الوسواس القهري ؟

قد يبدو لنا هذا المرض مجرد اهتمام شديد بالنظافة، أو نعتقد أن الشخص المصاب به منظم للغاية، ولكن مَنْ يعيش مع مريض الوسواس القهري يعلم مدى انزعاجه وتأثير المرض في علاقاته الاجتماعية وحياته العملية.

الوسواس القهري هو اضطراب عقلي مزمِن، إذ يعاني المريض بعض الأفكار والهواجس المستمرة التي تدفعه للقيام بنمط محدد من السلوكيات المتكررة. 

عندما ينزعج المريض من سلوكياته القهرية ويحاول التوقف عنها، أو يتجاهل هواجسه المستمرة، سيشعر بالمزيد من القلق والتوتر، وربما تنتابه نوبات من الهلع. وفي النهاية، لا يستطيع السيطرة ويعود مرة أخرى إلى نفس المعاناة.

أعراض مرض الوسواس القهري

أعراض مرض الوسواس القهري

تبدأ أعراض هذا المرض غالبا خلال مرحلة المراهقة، وتزداد حدة الأعراض مع مرور الوقت.

يوجَد نوعان من أعراض الوسواس القهري: الهواجس (مجموعة من الأفكار والمخاوف المنتظمة التي تجعل المريض يعيش في حالة دائمة من القلق والتوتر)، والأفعال القهرية (هي نمط محدد من السلوكيات المتكررة التي يفعلها المريض لتخفيف شعوره بالخطر، ولا يستطيع التوقف عنها).

الهواجس

  • الهوس بالنظافة وتجنُّب لمس الأشياء التي لمسها الآخرون.
  • الشكوك حول إطفاء الفرن أو إغلاق الأبواب.
  • الخوف غير المبرَّر من إيذاء الأشخاص الذين يعيشون معه.
  • الشعور بالقلق عند تغيير ترتيب أغراضه الشخصية.
  • الخوف من التحدث بشكل غير لائق.
  • تجنٌّب أي موقف يمكن أن يحفز هذه المخاوف.

الأفعال القهرية

يظن المريض أن هذه السلوكيات ستخفف شعوره بالقلق، وتمنع حدوث بعض المخاطر التي قد تهدد حياة الآخرين، ولكنها فقط تجعله يشعر براحة مؤقتة. ومن أهم هذه الأفعال:

  • غسل اليدين باستمرار.
  • العد بنمط محدد.
  • إطفاء الفرن عدة مرات للتأكد من توقفه عن العمل.
  • ترتيب أغراضه بطريقة معينة.
  • فحص الأبواب باستمرار حتى يتيقن من إغلاقها.

ما أسباب الإصابة بالوسواس القهري؟

لم يجد الأطباء أسبابًا واضحة للإصابة بهذا الاضطراب، ولكن توجَد بعض العوامل المؤثرة، مثل:

  • الوراثة

يزداد خطر الإصابة بالوسواس القهري في حالة وجود قريب من الدرجة الأولى مصاب بهذا المرض، خاصة إذا ظهرت عليه الأعراض في مرحلة الطفولة.

  • البيئة

أشارت بعض الأبحاث إلى أن حدوث الأزمات والصدمات النفسية العنيفة -في مرحلة الطفولة- قد يؤدي إلى الإصابة بالوسواس القهري، ولكن هذه النتائج غير مؤكَّدة حتى الآن.

  • تركيب الدماغ

قد يؤثر تركيب الدماغ في نسبة الهرمونات الموجودة في الجسم، مثل السيروتونين والدوبامين، واختلاف نسبة هذه الهرمونات عن المعدل الطبيعي يسبب العديد من الأمراض النفسية.

مضاعفات المرض

أثبتت الأبحاث أن ثلث المصابين بالوسواس القهري هم فقط مَنْ يطلبون المساعدة ويبحثون عن العلاج، إذ توجَد بعض التحديات التي تواجه المريض، مثل: عدم القدرة على التغيير، والإحراج، والخوف من الرفض.

تؤثر هذه التحديات في نسبة الشفاء من الوسواس القهري؛ فعندما يتأخر المريض في طلب المساعدة، تقل احتمالية الشفاء، وربما تتدهور الحالة، فيصاب ببعض الأمراض الآتية:

  • الاكتئاب.
  • اضطرابات القلق.
  • الفصام.
  • اضطراب ثنائي القطب.

علاج الوسواس القهري

علاج الوسواس القهري

بعد مناقشتنا للهواجس والأفعال القهرية التي يواجهها المريض، لعلك تسأل الآن: “هل يمكن الشفاء من مرض الوسواس القهري؟”.

قبل إجابة هذا السؤال، يجب أن نتعرف أولًا إلى طُرُق العلاج المختلفة التي يستخدمها الطبيب، وأقصى مدة لعلاج الوسواس القهري.

يلجأ الطبيب إلى بعض أنواع العلاج، مثل:

  • العلاج النفسي

يمكن أن يساعد العلاج السلوكي المعرفي في تغيير أسلوب تفكير المريض، عندما يواجه أي موقف يحفز المخاوف المستمرة التي يشعر بها، إذ يصمم الطبيب موقفًا مشابهًا للمواقف التي يتعرض لها المريض في حياته اليومية وتسبب له القلق والتوتر.

يهدف هذا الأسلوب إلى المساعدة في تقليل الهواجس والسلوكيات القهرية بواسطة التعرض للصدمات.

  • الاسترخاء

قد يساعد التأمل وممارسة بعض أنواع الرياضة -مثل اليوجا أو تمارين تاي تشي– في تخفيف حدة الأعراض التي يشعر بها المريض.

  • الأدوية

تُستخدَم بعض الأدوية النفسية خلال مدة العلاج. ومن أشهر أدوية الوسواس القهري: مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية، ومضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقة، مثل:

  • فلوكسيتين (Fluoxetine).
  • باروكسيتين (Paroxetine).
  • كلوميبرامين (Clomipramine).
  • سيرترالين (Sertraline).

أقصى مدة لعلاج مرض الوسواس القهري

يصعب علينا تحديد مدة معينة للعلاج من الوسواس القهري، إذ تختلف مدة العلاج باختلاف بعض العوامل، ومنها:

  • مهارة الطبيب النفسي.
  • الرغبة في الشفاء.
  • حدة الأعراض التي يشعر بها المريض.
  • الالتزام بالأدوية وتعليمات الطبيب.
  • عمر المريض.
  • استجابة الجسم للدواء.

علامات الشفاء من مرض الوسواس القهري

علامات الشفاء من مرض الوسواس القهري

حتى نعرف إجابة السؤال السابق “هل يمكن الشفاء من مرض الوسواس القهري نهائيا؟”، ينبغي أن ندرك العلامات التي تظهر على المريض بعد التعافي.

 ومن أبرز علامات الشفاء من الوسواس القهري:

  • القدرة على مقاومة الهواجس والأفكار غير المرغوبة.
  • تغيير بعض السلوكيات القهرية.
  • القدرة على التفكير والتركيز بوضوح.
  • الرغبة في التخلص من الآثار البدنية والنفسية للمرض.

عند ظهور هذه العلامات، يجب ألا يتوقف المريض عن تناول أدوية الوسواس القهري، لأن الطبيب فقط هو مَنْ يستطيع تحديد انتهاء مدة العلاج.

هل يمكن الشفاء من مرض الوسواس القهري نهائيًا؟

الخبر الجيد هو أن المريض يمكنه أن يتخلص تمامًا من مرض الوسواس القهري، ولكن يجب عليه اختيار الطبيب المناسب، والالتزام بالخطة العلاجية ومواعيد الأدوية.

ترتبط نسبة الشفاء من الوسواس القهري بعمر المريض وحالته الصحية، إذ إنه عادة ما تكون نسبة الشفاء في مرحلة الشباب 40%. ولكن إن زاد عمر المريض عن 40 عامًا، قلت هذه النسبة إلى 20%.

نصائح تساعدك في علاج مرض الوسواس القهري

إليك بعض النصائح التي من الممكن أن تساعدك في السيطرة على أعراض الوسواس القهري:

تعلَّم الاسترخاء

يمكنك السيطرة على القلق والتوتر بواسطة بعض الخطوات البسيطة، مثل: التأمل، والتنفس العميق، وممارسة بعض أنواع الرياضة.

انضم إلى مجموعة دعم

لست بمفردك مَنْ يعاني هذا المرض، لذلك سيساعدك وجودك مع مجموعة تفهم طبيعة مرضك في مواجهة التحديات والأزمات، وستتمكن معهم من التغلب على مشاعر اليأس والإحباط.

اتباع نمط حياة صحي

لا تعتقد أن علاج الوسواس القهري يقتصر على الأدوية وجلسات العلاج النفسي، إذ يجب عليك ممارسة التمارين الرياضية، واتباع حمية صحية، والنوم بانتظام حتى تنشغل عن هواجسك وسلوكياتك القهرية.

انتبه إلى التغيرات

عندما تحدد خطة العلاج مع طبيبك، لاحظ الأعراض الجانبية التي تشعر بها بعد تناول الدواء وأخبر الطبيب بها؛ فقد تحتاج إلى تغيير الدواء حتى لا تتدهور الحالة.

في النهاية…

عزيزي القارىء، لا تدع هذا المرض يسيطر على حياتك، وتيقَّن أن أسرتك وأصدقاءك يتقبلون طبيعة مرضك، فلا تسمح لخوفك من الرفض أن يجعلك وحيدًا منعزلًا عن العالم!

المصدر
Obsessive-Compulsive Disorder (OCD)Obsessive-compulsive disorder (OCD) How Can You Recover From OCD? Understanding the Impact of Severe Obsessive-Compulsive Disorder (OCD)
اظهر المزيد

د. راشيل نادي

صيدلانية وكاتبة محتوى طبي. هدفي أن يصل العلم بشكل غير معقد لمن يريد المعرفة، أثق أن الكتابة ليست مجرد موهبة ولكنها شغف نستطيع به أن نصل لعقول الآخرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق