ترياق الأمراض النفسية

مشكلة التفكير الزائد | عقلي لا ينام!

سجا الليل وأسدل ستاره، والكون ساكن والناس نيام، والنجوم لامعة في السماء المظلمة، ساهرة شاردة هائمة… مثل النجوم كمثل أفكاري؛ تطوق عقلي وتتركه يعاني!

في كل مساء أذهب إلى غرفتي لأستريح بعد يوم عمل طويل وشاق، أرتمي على سريري وأحضن وسادتي متوسلًا إلى النوم أن يملأ أجفاني، فإذا بالأفكار تتوالد وتتكاثر، وتتسلل إلى وجداني، وطنينها كالبعوضة يملأ أسماعي.

تُرى! كيف أتخلص من التفكير الزائد قبل النوم؟ وهل التفكير الزائد مرض نفسي؟ وما هو علاج التفكير الزائد والوسواس والأفكار السلبية؟

عزيزي القارئ، إذا كنت تعاني التفكير الزائد وتراودك تلك الأسئلة، فتابع القراءة لتتعرف إلى الحلول المقترحة.

هل التفكير الزائد مرض نفسي؟

لا يوجد ما يُسمَّى بـ”اضطراب التفكير الزائد“، ولكنه عرضٌ لبعض الاضطرابات النفسية والعقلية الأخرى، مثل:

ويأتي اضطراب القلق على رأس أسباب التفكير الزائد، وحينها ينخرط الشخص في الاجترار النفسي والتفكير الوسواسي.

التفكير الزائد في علم النفس يعني التفكير العميق والهوس بأمور دون هدفٍ واضحٍ، أو التركيز على المشاعر السلبية دون محاولة البحث عن حلول واقعية لها، وتوقع نتائج سلبية وكارثية دائمًا للأمور المستقبلية.

ومن الأمثلة والمواقف التي توضح ذلك أن تقول:

  • ما كان يجب أن أتحدث في الاجتماع اليوم؛ فقد نظر إليَّ الجميع وكأنني أحمق.
  • يا ليتني ما تركتُ عملي القديم؛ ربما كان أفضل!
  • أنا لا أصلح لفعل أي شيء هام في الحياة!
  • لا فائدة مما أفعله في العمل؛ فلن أحصل على ترقية أبدًا. 
  • سأحرج نفسي غدًا عندما أقدم هذا العرض التقديمي؛ سترتجف يدي وتضرب الحمرة وجهي، وسأبدو أحمقًا!

أيضًا ربما تتصور بعض الأحداث الكارثية؛ كأن تتخيل أن سيارتك تخرج عن الطريق وتنقلب. أو تستحضر حدثًا محزِنًا في ذهنك، مثل: مشهد مؤلم من فيلم ما. 

من ناحية أخرى، التفكير الزائد قد يكون سمة شخصية؛ فقد ينتابك قلق مستمر تجاه عملك أو دراستك أو مستقبلك، أو تفكر كثيرًا في قرار يجب أن تتخذه، أو في علاقتك بعائلتك وأصدقائك.

أيًّا كان ما تفكر فيه من مخاوف، إذا كان يستمر مدّة قصيرة ثم تستعيد نشاطاتك وتستكمل يومك، ولا تستحوذ عليك أفكارك بسببه طيلة الوقت؛ فهو أمر طبيعي.

أما إذا كان التفكير الزائد ناتجًا عن اضطراب القلق، فقد لا يقتصر الأمر على التفكير كثيرًا في شيء ما فحسب؛ بل ستصبح مهووسًا به لدرجة تؤثر على أدائك في العمل وقدرتك على الإنتاج، وتُعيق مهامك اليومية.

هل التفكير الزائد مرض نفسي؟

التفكير الزائد بسبب القلق

قد يكون التفكير الزائد ناتجًا عن اضطراب القلق، خاصةً إذا كنت قد تعرضت لموقف أو أكثر من المواقف التالية:

  • صعوبة متابعة محادثة ما -أو نقاش- والمساهمة فيها، لأنك تفكر كثيرًا في الردود وكل العبارات المحتملة مرارًا وتكرارًا حتى تنتهي المحادثة، وتضيع فرصة التحدث.
  •  مقارنة نفسك باستمرار مع الأشخاص من حولك، والتفكير في كيفية الارتقاء إليهم.
  •  التنبؤ دائمًا بسيناريوهات سيئة للحياة، إمَّا لنفسك أو لِمَنْ تحب.
  • استحضار الفشل أو الأخطاء السابقة مرارًا وتكرارًا، والتفكير في أنك غير قادرٍ على تجاوُزِها.
  • القلق الدائم بشأن المهام و الأهداف المستقبلية، والشعور باستحالة تحقيقها.
  • استحضار تجرِبة صادمة سابقة باستمرار (مثل الإساءة، أو فقدان شخص عزيز)؛ مما يجعلك غير قادرٍ على التعامل معها.
  • عدم القدرة على إبطاء سباق الأفكار أو المخاوف أو المشاعر الغامضة.

التفكير الزائد قبل النوم

يمكن أن يحدث الأرق لأي شخص، خاصةً خلال فترات الإجهاد والقلق والتوتر، مثل: فقدان وظيفة أو شخص عزيز،
أو المرور بمشاكل مالية أو صحية أو اجتماعية، وغيرها من الضغوطات؛ فقد تجد صعوبة في نومك أو البقاء نائمًا.

عندما يصعب عليك النوم في ليلة -بسبب تسارع أفكارك- وتشعر بالتعب والإجهاد وعدم التركيز في اليوم التالي؛
تسيطر عليك هذه الفكرة السلبية بأنك غير قادر على النوم مطلقًا، ولا تستطيع أداء عملك جيدًا. 

ويكون هذا هو سبب عدم النوم في الليلة التالية أيضًا، وهكذا تدور في حلقة لا نهاية لها.

وبما أنه لا يوجد زر لإيقاف سيل الأفكار العارم ليلًا، فما علينا إلا حرمان العقل من الوقود الذي يجعله يدور ليلًا ويولد أفكاره.

ولَمَّا كان الضغط والتوتر والقلق أهم الأسباب الرئيسة التي تؤدي إلى التفكير الزائد قبل النوم،
إذًا فكيف نتغلب عليهم؟

إليك بعض الخطوات المقترحة:

التفكير الزائد قبل النوم

جدول أوقات القلق

ما رأيك لو تخطط جدولًا لأوقات القلق، وتحدد له موعدًا يوميًا للنظر به؟!

يمكنك أن تضع في الخانة الأولى كل مصادر الخوف والقلق في حياتك، ثم تضع في الخانة الثانية كل العناصر المقترحة والحلول الممكنة، للتعامل مع هذه الضغوطات وتخفيفها.

بعد ذلك قَسِّم تلك العناصر إلى خطوات أو مهام، للتفكير فيها في أوقات القلق المحددة.

إذا لَمْ تُكَوِّن رؤية واضحة وحلولًا قاطعة لمشكلة ما خلال الوقت المحدد؛ قُلْ لنفسك: “سأترك الأمر الآن، وسأعود إليه
غدًا خلال وقت القلق المحدد”.

ربما تساعدك هذه الطريقة على تغيير الأمور، وتكون لديك خُطَّة لتجاوُزِ ضغوطاتك دائمًا.

ركز جهودك على الأشياء التي يمكنك تغييرها باستمرار، وقد تساعدك كتابة الضغوطات على تحريرها من عقلك،
فلا تَعُوُدُ في حاجة إلى التفكير الزائد وتذكير نفسك بها باستمرار.

الاسترخاء قبل النوم

للتغلب على التفكير الزائد قبل النوم، حاوِلْ أن تمنح نفسك الوقت الكافي للتغلب على التوتر في أثناء النهار،
وقضاء الوقت في الاسترخاء قبل النوم.

وإذا كنت في السرير ولا يمكنك النوم، قُمْ من السرير وافعل شيئًا يحث على الاسترخاء؛ حتى لا يربط عقلك بين
الأرق وتواجُدِك في السرير.

لا تقضِ وقتًا على وسائل التواصل الاجتماعي أو تفعل شيئًا محفزًا قبل النوم، بدلًا من ذلك استرخِ.

حاول أن تبحث عن طقوس استرخاء مناسِبة لك، واقْضِ 30 دقيقة على الأقل -أو ربما ساعة أو ساعتين-
لفَكِّ الضغط والتوتر قبل النوم.

وهناك بعض الأنشطة التي قد تساعدك على ذلك، مثل:

  • الصلاة. 
  • القراءة.
  • الاستماع إلى الموسيقى.
  • الاستمتاع بحمام دافئ.
  •  مشاهدة أحد البرامج المسلية.
  • جلسات التأمل والاسترخاء.
  • تمارين التنفس.
  • تمارين اليوجا واسترخاء العضلات.

كيفية علاج التفكير الزائد والوسواس والأفكار السلبية

يعتمد التخلص من التفكير الزائد والقلق على طُرُق العلاج المعرفي السلوكي. وإن وجدت صعوبة في التخلص منه،
فلا مانع من استشارة طبيب مختص. وإليك بعض الطُرُق:

الوعي الذاتي واليقظة

الوعي هو الخطوة الأولى في وضع حَدٍّ للإفراط في التفكير، فانتبِهْ إلى طريقة تفكيرك، ولاحِظْ أنك تُعيد الأحداث في ذهنك مرارًا وتكرارًا دون جدوى، أو أنك تقلق من أشياء لا يمكنك التحكم فيها.

إذًا، فعندما تَعِي أن هذه الأفكار ليست مثمِرة، يمكنك تشتيت نفسك والقيام بشيء آخر، مثل: ممارسة الرياضة أو حَلِّ الكلمات المتقاطعة.

تَحَدَّ أفكارك

حاوِلْ الابتعاد عن الأفكار السلبية والذكريات الحزينة، وركِّزْ على الإنجازات والنجاحات والجوانب الإيجابية.

يمكنك تدوين كل مخاوفك وتوقعاتك السيئة. وعندما تراها أمامك، ستدرك أن هذه الوساوس المفزِعة على الأرجح لن تحدث، وستكون قادرًا على وضع الأشياء في منظورها الصحيح.

احترم ذاتَك

تقبَّلْ نفسك واعرِفْ قدراتك، وتوقَّفْ عن مقارنة إنجازات الآخرين مع إنجازاتك.

توكل على الله وذكِّرْ نفسَك باستمرار أنك ستُبلِي بلاءً أفضل بإذن الله.

ركِّزْ على الحلول

اسأل نفسك عن الخطوات التي يمكنك اتخاذها للتعلُّم من خطأ سابق، أو تجنُّبِ مشكلة مستقبلية؛ فبدلًا من أن تسأل عن سبب حدوث شيء ما، اسأل نفسك ما الذي يمكنك فعله حقًا تجاهه.

تحدَّ معايير الكمال

إذا كنت تركز بشكل مفرط على أي أخطاء بسيطة أو جوانب سلبية، وتفكر دائمًا في كيفية التصرف بطريقة مثالية في كل المواقف، فكِّرْ ببساطة فيما يمكن أن تنصح به صديقك إذا تصرَّفَ بنفس الطريقة.

في النهاية، احرِصْ دائمًا على صنع جَوٍّ من البهجة، واقضِ وقتًا أطول في ممارسة الأنشطة الممتعة بالنسبة لك،
والتي تُبعِدُك عن التفكير الزائد.

المصدر
How to Reduce Racing Thoughts at Night Due to Stress and InsomniaWhat Is Overthinking Disorder?6 Tips to Stop Overthinking9 Strategies for Overcoming OverthinkingAre You an Overthinker?
اظهر المزيد

د. مي جمال

صيدلانية ومترجمة وكاتبة محتوى طبي. أحب البحث والتعلم، ولا أدخر جهداً لمشاركة وتبسيط ما تعلمت للآخرين. أعتز بالنفس البشرية، وأهوى البحث في أعماقها، ولا أجد أبلغ من الكلمات للتعبير عنها ومناقشة قضاياها، مساهمةً في نشر الوعي والارتقاء بحياة البشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق