مفاهيم ومدارك

مفهوم الصورة النمطية | التحرر من التنميط اللا وعيي

“أووه هذه الفتاة وزنها زائد! لا بد أنها ثقيلة الظل”.

“كل الأمريكان كسالى ولا يأكلون إلا البرجر، هذا معروف”.

“تقول إنها ربة منزل، لا بد أنها تقضي يومها كله بين التنظيف وطهي الطعام”.

“هو إفريقي، إذن لا بد أن يكون عدَّاءً ماهرًا”.

ما قرأته لتوك ليس إلا نبذة بسيطة عما يدور بعقلك!

فنحن جميعًا لدينا انطباعات مسبقة عن العديد من الأشياء في حياتنا، فيما يُعرف بالصورة النمطية.

هذه الانطباعات لم نكتسبها بأنفسنا، بل زُرعت داخلنا بلا يدٍ لنا، كيف حدث هذا؟ وما مفهوم الصورة النمطية؟

ما مفهوم الصورة النمطية؟

ظهر مصطلح الصورة النمطية Stereotype لأول مرة عام 1789، إذ استخدمه فيرمين ديدوت Fermin Dedot لوصف لوحٍ يزوَّد بالحبر لنسخ الحروف وطباعتها.

واستخدم المصطلح بمعنى الصورة النمطية العقلية لأول مرة عام 1922، في كتاب الرأي العام Public Opinion لكاتبه Walter Lippmann.

وعرَّف والتر مفهوم الصورة النمطية على أنها أساس انتقال المعتقدات، وتكوين الدفاعات المجتمعية؛ إذ تسهم في التكوين الأساسي للسمات الشخصية والهوايات والانتماءات.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

وإجمالًا، يشير مفهوم الصورة النمطية إلى مجموعة الأفكار والمعتقدات المسبقة التي توحد ردود الأفعال تجاه أمرٍ محدد.

وتكمن المشكلة حين تحدد الصور النمطية طاقات التفكير الموجهة تجاه الأشياء، إذ كثيرًا ما تكون تلك الصور النمطية غير دقيقة.

وتتكون الصور النمطية في فترة الطفولة عبر الوعي الجمعي الناتج من ثقافة المجتمع والأسرة، فهي ظاهرة اجتماعية وليست فردية.

تطبيقات مفهوم الصورة النمطية

تؤثر الصورة النمطية في المعايير المجتمعية، وسلوك الأفراد داخل المجتمع، والتحيزات مع أو ضد الجماعات.

ومن أنواع الصور النمطية:

الصورة النمطية الجنسانية

أكثر الصور النمطية شيوعًا هو تنميط سلوك الفرد وشخصيته ومظهره حسب نوع جنسه، ذكرًا كان أم أنثى.

وتبدأ عملية تنميط الأفراد من قبل حتى ولادتهم وهم أجنة، بمجرد معرفة الأبوين جنس الجنين

إذ تختلف الاستعدادات لاستقبال المولود الذكر عن المولودة الأنثى.

وبعد الولادة يستمر التنميط لا من جانب المجتمع فقط، بل من الأسرة والأب والأم أنفسهم.

وعادة ما ينتهي الأمر باستقبال الطفل لنفس الصورة النمطية المخزنة مسبقًا عند الأهل.

ونلاحظ إصرار المجتمعات على التفريق بين الرجل والمرأة في كل جانب من جوانب الحياة على مدار التاريخ.

استمرت الدراسات فترات طويلة تبحث عن الاختلافات الحقيقية بين الرجل والمرأة التي تبرر هذه النمطية.

لكنها أفضت إلى أن الاختلاف الفسيولوجي بينهما لا يؤدي إلى تلك الاختلافات العظيمة في السلوك، ومن ثَم لا يبرر النمطية.

ونجد أحد آثار التحيزات المترتبة على الصور النمطية الجنسانية في تعرض كلا النوعين للعنف الجنسي.

إذ تحظى المرأة بمساحة أكبر للتعبير عما تعرضت له، متبوعًا بتعاطف المجتمع…

بينما يرفض المجتمع تصديق إمكانية تعرض الرجل إلى هذا النوع من العنف…

فصورة الرجل النمطية تفيد بأنه الطرف الأقوى، والجاني الدائم في مثل هذه المواقف، ولا يمكنه أن يقع ضحية للعنف الجنسي.

الصورة النمطية العرقية

“كل الرجال الإيطاليين شغوفون”، و”كل المسلمين إرهابيون”، و”كل الألمان نازيون”.

يكاد لا يخلو عرق من وجود صورة نمطية له توصمه بها باقي الأعراق.

وتكون الصور النمطية العرقية أقرب للخطأ، إذ تعتمد بشكلٍ كبير على تجاربَ فردية لأشخاص نقلوا تجاربهم إلى مجتمعاتهم.

وتؤثر الصور النمطية في عرقٍ بأكمله، وقد تؤثر في التعاملات الدولية كذلك.

الصورة النمطية الشعورية

هل شعرت بالغضب من قبل؟ بالتأكيد حدث هذا، فماذا فعلت؟

برغم تباين إجابة هذا السؤال عند الكثير من الأشخاص تبعًا لصفاتهم الشخصية، والموقف الذي استدعى الغضب، والشخص الموجه تجاهه الغضب، والكثير من العوامل…

فإننا نملك صورة نمطية عن التعبير عن الغضب بالصياح وإطلاق الشرار من العينين.

وكذلك فإن الصورة النمطية للتعبير عن الحزن هي البكاء، ويعبَّر عن الفرح بالضحك.

وتتعدى الصورة النمطية الشعورية شكل التعبير عن الشعور إلى نمطية مسببات هذا الشعور.

فالأفراد لديهم تصورٌ مسبق عن طبيعة الأسباب والمواقف التي تؤدي لشعورٍ ما…

وإن لم تتحقق فليس من حق الشخص أن يشعر بهذا الإحساس.

فمثلًا محددات السعادة تكون بالمال والرتبة العالية، أما ما عدا ذلك فهذا الإنسان بائس يجيد الضحك على ذاته.

الصورة النمطية العمرية

يضع مفهوم الصورة النمطية العمرية شكلًا محددًا لطبيعة تعامل الأشخاص في أعمارهم المختلفة.

فالصورة المسبقة عن الأطفال أنهم مطيعون وهادئون، ويدرسون بجد لتحقيق الدرجات العليا، ويساعدون كبار السن.

والصورة المسبقة عن كبار السن أنهم مزعجون، ويتذمرون حيال كل شيء.

وتلك الصور تحدد تعاملنا مع الفئات العمرية، الذي يكون ظالمًا ومجحفًا بحقهم…

فليس كل طفلٍ اهتم باللعب أكثر من الدراسة فاشلًا، ولا كل شيخٍ مريضٍ كائنًا لا يطاق.

الصورة النمطية والصورة الذهنية

إن افترضنا أن معنى الصورة النمطية بلغة الشارع هي الانطباع العام…

فالرأي الفردي هو الصورة الذهنية، وهي الفكرة التي يكونها الفرد تجاه شيءٍ ما، بعد معالجة المعلومات المختزنة لديه.

إذن يمكننا تلخيص الفارق بينهما في كون الصورة النمطية فكرة يتلقاها العقل دون جهدٍ منه، بينما يبني العقل الصورة الذهنية بنفسه.

لكن ما خصائص الصورة النمطية والصورة الذهنية؟

خصائص الصورة النمطية

  • لا يشترط تشارك كل الأفراد في صفة ما لوصم مجتمعهم بها.
  • قد تكون سلبية، أو إيجابية، أو الاثنين معًا.
  • صور مختزنة في العقل اللا واعي، ولا تتطلب جهدًا لاستعادتها.
  • قد تكون معلنة، أو ضمنية.
  • تؤثر مصادر السلطة مباشرةً في تكوين الصور النمطية.

خصائص الصورة الذهنية

  • مستمرة ومتغيرة بتغير العوامل المؤثرة مثل المعرفة والمواقف السلوكية.
  • لا تتقيد بحدود الزمان ولا المكان.
  • تمثل العواطف ركنًا أساسيًا لتكوين الصور الذهنية.
  • تتميز بالذاتية والانحياز الفردي.
  • تؤثر الصور الذهنية في تعامل الفرد مع واقعه، بل قد يعيش صوره الذهنية عن واقعه والتي قد لا تكون حقيقية.
  • يمكن للصور الذهنية أن تترسخ وتتقولب لتتحول إلى صورة نمطية فردية.

مفهوم الصورة النمطية في الإعلام

للإعلام تأثير مباشر وقوي لترسيخ الصور النمطية عند المجتمعات.

وتوجد العديد من الأسباب وراء استخدام الإعلام للتنميط، منها التجاري، والسياسي، والاجتماعي، وغيره.

فإن كنت تعتقد أنك لا تستطيع أداء عملك بكفاءة وتركيز بدون شرب كوبٍ من النسكافيه، فتلك صورة نمطية للتركيز أوحتها لك الإعلانات.

وإن كنتِ تعتقدين أن ما يمنعكِ من التألق كالأميرات هو مستحضر التجميل ذاك، فقد وقعتِ في الفخ نفسه.

إذ يعمل الإعلام على إرسال نفس المؤثرات مرارًا وتكرارًا، وتنميط العقل اللا واعي بالعديد من الطرق مثل الفكاهة أو الخطب الحماسية.

ويختلف تأثير الإعلام في العقود القليلة السابقة عن أعوامنا الحالية؛ فمع العولمة وانتشار الإنترنت صار تأثير الإعلام في التنميط عالميًا كبيرًا.

فبرغم كونك تستطيع التحكم ببضع ضغطات فيما تشاهده وتتفاعل معه، فإن الدراسات أثبتت أن الأفراد يميلون للتعلق بالمؤثرات التي تدعم صورهم النمطية المسبقة.

وينتج عنها تعزيز أقوى لتلك الصور النمطية، وهو ما يضعهم في صراع محتدم مع كل من يبدي اختلافًا ولو بسيطًا.

ويُلاحظ هذا بسهولة في احتدام النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي عند تصادم الصور النمطية لدى الأفراد ذوي الخلفيات المختلفة.

التفكير النمطي والإبداعي

النمطية في التفكير تعني اعتماد الفرد على القوالب الفكرية الجاهزة، والخيارات المتاحة المعروفة مسبقًا دون بذل جهدٍ في التفكير.

إذ يميل العقل عادة إلى توفير الجهد المبذول في التفكير، ولزيادة التوضيح دعني أسألك: ماذا ترغب أن تتناول على الغداء اليوم؟

أمامك عدة خياراتٍ محدودة، أنا وأنت نعرفها مسبقًا، فقد تخبرني بنوع طعامٍ محدد يُعد في المنزل، أو تختار أحد الأطعمة السريعة، وربما ترغب في إضافة بعض التجديد وتقرر الذهاب إلى مطعمٍ جديد…

لكن ما لن يفكر فيه عقلك عادةً هو الذهاب في رحلة صيد إلى الغابة بحثًا عن غزال شارد؛ ليصير هو وجبة الغذاء اليوم!

فهذا هو التفكير الإبداعي، ويُقصد به طريقة التفكير الخارجة عن التسلسل النمطي، والتي تربط أفكارًا غير مترابطة لإيجاد إجابات متعددة للتساؤل الواحد.

والتفكير الإبداعي هو العملية العقلية أو الطلاقة الفكرية التي تؤدي إلى الناتج الإبداعي الذي يظهر على السطح.

ولا يعني هذا أن النمطية في التفكير منبوذة وغير مرحب بها إطلاقًا، فبالتأكيد لا تحتاج إلى تفكير إبداعي لارتداء حذائك في الصباح!

بل إن التوازن بين التفكير النمطي والإبداعي مطلوب لتوفير طاقة العقل للجوانب التي تتطلب إبداعًا حقيقيًا.

اقرأ المزيد عن التفكير التصميمي

كيف تنمي فكرك الإبداعي؟

الفكر الإبداعي مثل الطاقة الكامنة بداخل كل فرد، وتحتاج إلى التدريب ليتمكن الفرد من استغلالها، وقد تعددت طرق تنمية الفكر الإبداعي، ومنها:

1. الخرائط الذهنية

تحاكي الخرائط الذهنية طريقة العقل في التفكير، إذ تطرأ الأفكار في الرأس كتفرعاتٍ من الأفكار الرئيسية والفرعية بدون ترتيب.

وتتكون الخريطة الذهنية من فكرة رئيسية في منتصف الصفحة، وتتفرع منها أفكار فرعية أولية، ومنها تتفرع أفكار فرعية ثانوية، وهكذا…

استخدام الخرائط الذهنية يسمح بإطلاق العنان للعقل للتفكير في كل الأفكار والاحتمالات الممكنة مع عدم الخوف من ضياع أي فكرة.

إذ يمكن وضع أي فكرة على الخريطة سواء كانت متفرعة من الفكرة الأساسية، أو متفرعة من فكرة فرعية.

2. العصف الذهني

العصف الذهني واحدة من أهم أدوات العصر الحديث لخلق الفكر الإبداعي، خاصة العصف الجماعي.

وتعتمد فكرة العصف على إطلاق العنان للعقل لخلق كل الأفكار الممكنة حيال موضوع واحد فقط دون نقد أو تقييم هذه الأفكار.

ويتمكن العقل من رؤية آفاق جديدة، خاصة إن كان العصف جماعيًا ومع أشخاص مختلفي الثقافات والعلوم.

3. الصور المتدفقة

هذا التدريب يهدف إلى تعزيز قدرة التصور الذهني، ويتم عبر غلق العينين ووصف كل ما يدور بالخاطر لمدة 20 دقيقة.

للوهلة الأولى قد يبدو هذا التدريب عجيبًا، إلا أن تأثيره فعال في إطلاق العنان للعقل وتحرير القدرة على التفكير الإبداعي.

بالطبع لا تعد تلك هي الأدوات والتدريبات الوحيدة لتحرير التفكير من النمطية، وإلا تعد تنميطًا للتفكير الإبداعي.

وتذكَّر أن مفهوم الصورة النمطية ليس ضارًا تمامًا، فقط انتبه لما يدخل إلى عقلك…

استثمر بعض الوقت في تقييم ما يضاف إلى وعيك، وابحث عن الحقيقة وسط زيف الأحكام المسبقة.

المصدر
Stereotyping and Stereotypesfeatures of stereotypes
اظهر المزيد

Hamas AbdelGhaffar

أهلًا بك، اسمي حماس وأدرس الطب البشري.. يتغير العالم بي وبك، بتلك الخطوات الصغيرة التي نبنيها معًا، فإن قرأت يومًا سطرًا لي وأضاف إليك، فهذا تمامًا ما أسعى إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى