ترياق الأسرةترياق الطفل

من مذكرات أم لطفل مختلف

نعيم أَمْ جحيم!

متلازمة (داون)…

توحُّد…

شلل دماغي…

ثلاثة أمراض لثلاث قصص، تحكي معاناة بعض الأمهات في التعامل مع نظرة المجتمع لطفلهم المختلف.

إليكم ترياق “مذكرات أُمٍّ لطفل مختلف”…

على مكتبي…

أمامي دفتر سميك مليء بالمشكلات والحكايات، أو بمعنى أدق، مليء بمعاناة أمهات لهن أطفال مختلفون؛ مصابون بأمراض سببت لهم إعاقة ذهنية أو جسدية مزمِنة مدى الحياة.

أرتشف فنجان قهوتي، وأبدا بقراءة جزء منها…

“ابنتي نجلاء، وُلِدت بمتلازمة (داون)؛ وجه مستدير، ذقن صغيرة، أصابع أقدام متباعدة. بالنسبة لي، كانت ملاكًا يمشي على الأرض، لكني أبكي كثيرًا كلما أفكر في مصيرها بعد أن أموت، أو بعد أن يتزوج أخوتها ويتركونها، أصابتني موجة اكتئاب وحزن، حتى انعزلت أنا وهي عن أعين الناس والعالَم الخارجي”.

أتنهد بألم، أتخيل يومها، ابنتها ومعاملة المجتمع لها، أقفز للصفحة رقم 8 وأكمل…

“… ولما كثر صمتها أمام ندائنا -أنا وأباها- تعجبنا! ظننَّا أنها تشكو ضعفًا في السمع، لكن اكتشفنا ما لم يكن في الحسبان؛ كانت مصابة بالتوحد. كان الأمر صعبًا عليَّ في البداية، لكن الأصعب كان معاملة المجتمع لها، ونظرات زميلاتها لها في المدرسة، كانت تسبب لي الضيق والألم النفسي، كأنها تعاني من تأخر عقلي…”.

لم أستطع أن أكمل، وقع الكلمات كان قاسيًا، قفزت بضع صفحات أخرى…

“صعوبة في البلع، عدم اتزان الحركة والمشي، تأخر في الكلام والمهارات الحركية، صعوبة في الرؤية أو السمع، كلها أعراض ظهرت على ابني في سنواته الأولى، عندما تم تشخيصه بمرض الشلل الدماغي. معاناتي معه بدأت عندما حاولنا تعليمه المشي، أو عندما كنا نصطحبه معنا في زيارة عائلية. كلمات الأقارب كانت سامة، أصابني حزن واكتئاب شديد، تمنيت أن تنشق الأرض وتبتلعني…”.

أغلق الدفتر، وأشرع في كتابة مقالي عن الأم والطفل المختلف…

الصحة النفسية للأم التي تتعايش مع طفل مختلف

يُعَدُّ العيش مع طفل مختلف أمرًا جديدًا وصعبًا لأي أسرة، وبالأخص الأم؛ لِما يحمله هذا القرار من تبعات نفسية عليها تقبُّلها والتكيف معها حفاظًا على صحتها النفسية. أشهر الأعراض النفسية التي تعانيها الأم هي:

  • الأرق واضطرابات النوم، أو النوم لفترات طويلة.
  • فقدان الثقة بالنفس، وشعور عام بالذنب.
  • الإجهاد العام، وشعور بالتعب المزمِن.
  • شعور بالإحباط لعدم القدرة على تربية طفلها على النحو السليم.
  • شعور باليأس والحزن الشديد.
  • العزلة الاجتماعية.
  • الاكتئاب الشديد.
  • القلق والتوتر نتيجة العبء الاقتصادي الزائد.
  • فقدان الدعم النفسي من المقربين، مما يسبب الألم النفسي وشعورًا عامًا بالوحدة.

نظرة المجتمع السلبية للطفل المختلف

إن للمجتمع دورًا هامًا في تشكيل الصحة النفسية للطفل -سواء بالسلب أو الإيجاب- عن طريق نظرته له وتعامله معه، وأهم طُرُق التعامل معه كالتالي:

  • السخرية من الطفل المختلف تدفعه لكره المجتمع من حوله، ويلجأ على إثرها للعدوانية أو الانسحاب من المجتمع.
  • الأسئلة المحرجة مثل: “كيف أُصيب طفلك بالإعاقة؟”، “حدثنا عن إعاقتك قليلا!”، تدخُّل منفر في خصوصيات الطفل والأسرة تجعله يشعر بالخجل والخوف.
  • الشفقة والعطف، وكأن الطفل  المختلف بحاجة لذلك الشعور الذي ينعكس سلبًا على حياته، ويجعله يشعر بالدونية وقلة الثقة. 

تسع نصائح من “ترياقي” للأم التي تتعايش مع طفل مختلف

إذا كنتِ تشعرين بأنك حزينة ومتعَبة، إليكِ تلك النصائح من أجل صحة نفسية أفضل:

  • أنتِ لستِ وحدك: تشعرين بالوحدة وأن طفلكِ هو الطفل الوحيد المختلف عن البقية، ابحثي عن الدعم الخارجي ومجموعات العلاج الجماعي للأُسَر التي تعاني نفس المرض.
  • من حقكِ أن تشعري بالراحة والاهتمام: لمَّا كان واجبًا عليك حماية ورعاية طفلك المختلف، كان لا بُدَّ من تواجُد شخص مقرب ليرعاكِ ويهتم بكِ من العائلة أو الأصدقاء المقربين، حفاظًا على اتزان صحتكِ النفسية والجسدية.
  • أنتِ لستِ مثالية: كلنا نرتكب أخطاء عديدة، تذكَّري أن مرض ابنكِ ليس خطأك؛ ولكنه قدرك، تعاملي بحكمة وهدوء.
  • أنتِ بطلة: نعم أنتِ بطلة طفلكِ الأولى والأخيرة، كل موقف محرج دافعتي فيه عنه أمام الناس، وعززتي لثقته بنفسه، ستجنين ثماره مستقبلًا.
  • اجعلي العلاج لعبتكِ المفضلة: نعلم مدى صعوبة تدريب طفلكِ المعاق على التعاون والحركة، لكن اجعلي التدريب لعبته ولعبتك المفضلة، ليستمر وتتحسن صحته النفسية والجسدية.
  • خصصي وقتًا لبقية أطفالك: لا تنسَي أطفالكِ الآخرين مهما كان وضع طفلكِ المعاق، بل شجعيهم بالنصح على المشاركة في علاج أخيهم ودعمه نفسيًا.
  • سامحي نفسك: مهما حدث من قرارات خاطئة، من السهل تعديلها وتخطيها، لا داعي لتعذيب نفسكِ أو الشعور بالذنب دائمًا.
  • حافظِ على حس الدعابة: لا تدَعي نفسكِ للحزن أو القلق، استمتعي بحياتكِ ولا داعي لأخذ الأمور بشكل سيئ، ولا تُشعِري طفلكِ بأنه سبب لشقائكِ في الحياة.
  • احتفلي بنجاحاتكِ حتى ولو كانت بسيطة: كل تقدُّم -حتى لو كان طفيفًا- هو نجاح لكِ ولطفلك، كل كلمة صحيحة، كل ضحكة، كل ضمة، شاركيها طفلكِ ولا تبخلي عليه بمشاعرك.

ختامًا…

طفلكِ المختلف، ليس وصمة أو عارًا بل إنسانًا له حقوق، وأبسطها أن يحيا بشكل طبيعي دون خوف من المجتمع، أو مقارنة مع غيره من الأطفال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق