ترياق الأمراض النفسية

ميكانيزمات الدفاع | ألاعيب الأنا!

“نحن نسعى لتجنب الألم، أكثر من سعينا لأن نجد السعادة”.

                                                                                   سيجموند فرويد

هل تختلف أم تتفق مع مقولة مؤسس التحليل النفسي؟ أنا أتفق، إن كان رأيي مهمًا بالنسبة لك.

ولماذا سيكون رأيي مهمًا؟ حسنًا، دعنا نتعرف؛ أنا طبيب نفسي، سلبت لُبَّه نظريات فرويد في الطب النفسي -رغم قدمها- مثل نظريته عن الشخصية وميكانيزمات الدفاع.

مصطلح غريب! دعني أحاول توضيحه أكثر في رحلتنا هذه، ولأن النفس البشرية أعقد من قدرتي على الوصف، فاستعد واربط حزام الأمان لنغوص في أعماق النفس البشرية قليلًا…

ما تعريف ميكانزمات الدفاع النفسي؟

قسم (سيجموند فرويد) في نظريته الشهيرة الشخصية إلى أقسام ثلاثة بين الوعي واللاوعي، هي: الأنا، والهو، والأنا العليا.

تؤدي الأنا دور التوازن بين الهو”الأنانية”، والأنا العليا “الضمير”، كذلك تمتلك الأنا ما يُعرَف باسم “ميكانيزمات الدفاع”.

لذا، نستطيع تعريف ميكانزمات الدفاع النفسي على أنها “استراتيجيات نفسية لا واعية تؤديها الأنا لفصل الإنسان عن مشاعر أو أفكار أو أحداث مؤذية، وتُعَدُّ أداة التعامل مع الضغوطات الخارجية”.

أهمية ميكانزمات الدفاع

أهمية ميكانزمات الدفاع

تؤدي ميكانيزمات الدفاع دورًا هامًا في تخطي المشاعر والتجارب السيئة، وتقلل الألم الناتج عنها.

كذلك تحمينا من الشعور بالذنب الشديد – يُعَدُّ إحساسًا غير صحي- والتوتر، وتجعل الأحداث الجيدة تبدو أفضل.

تحدث ميكانيزمات الدفاع على مستوى اللاوعي، وتُعَدُّ أمرًا طبيعيًا وصحيًا، ولكن لو استخدمتها الأنا بصورة متكررة وغير طبيعية، تظهر بعض العوارض النفسية كالقلق، والهوس، والخوف الشديد غير المبرر (الفوبيا)، والهستيريا.

تعرفنا إلى أهمية ميكانزمات الدفاع، دعنا نتعرف إلى أنواع الميكانزمات الدفاعية؟

أنواع الميكانزمات الدفاعية

درس (سيجموند فرويد) وابنته (آنا) تلك الميكانزمات، ووصلا إلى عدة أنواع، نذكر منها:

1– الإنكار

“أنت في حالة إنكار”. هل وجه لك أحدهم هذه العبارة من قبل؟

الإنكار: واحد من أشهر ميكانيزمات الدفاع، حيث يرفض الشخص تقبُّل الواقع والحقائق المتعلقة به.

يستخدمه الفرد عندما تخرج الأمور عن السيطرة، ويكون الموقف أصعب من قدرته على الإقرار به. وتلاحظ أنه دفاع بدائي وخطير، لأنه من الصعب البقاء في تلك الحالة مدة طويلة.

2- القمع

تقمع الأنا الأفكار المؤلمة والسيئة في العقل اللاواعي، بعيدًا عن الوعي والأنا العليا (الضمير)، والتي قد تتسبب في إزعاجك. 

تلك الأفكار المكبوتة في اللاوعي قد تتحرر -مع الوقت- في شكل أحلام مزعجة، أو ردة فعل غير مناسبة تحدث لا إراديًا على موقف ما، أو ببساطة تشعِرك بالقلق والتوتر دون سبب مقنع.

3- الإسقاط

“أنا لا أحب زميل عملي الجديد لأنه لا يحبني!”. هل شعرت بهذا من قبل؟

تكره شخصًا ما بمجرد أن تراه، ولأن ضميرك يؤنبك (الأنا العليا)، تسكته بإقناع نفسك أنه يكرهك أيضًا، وهذا مفهوم الإسقاط.

عندما تشعر أو تفكر في شخص ما بشكل سيئ مسببًا شعورًا بالذنب داخلك، فإنك -بلا وعي- تسقِط مشاعرك عليه، وتدَّعي أنه يبادلك نفس المشاعر السيئة بالمقابل.

4- الإزاحة

“أن تنفجر مشاعرك في الشخص الخطأ!”. تعود من عملك وقد واجهت العديد من الصعوبات مع مديرك، فتصرخ في طفلك أو شريك حياتك. 

عندما تفجِّر مشاعرك و إحباطك في اتجاه هدف ضعيف بدلًا من مسبب تلك المشاعر، بسبب تملُّكه لسطوة أعلى عليك.

ذلك لأن الصراع يكون على أشده بين (الهو) الذي يرغب في الانتقام، وبين (الأنا العليا) الحكيمة، فتؤدي (الأنا) دور الوسيط كالعادة، وتفرِغ مشاعر(الهو) العنيفة بطريقة أكثر اعتدالًا.

5- النكوص 

“سارة”… ربما ما زلت تتذكر ذاك المسلسل!

يتحدث المسلسل عمَّا يشبه الغيبوبة النفسية التي حدثت لفتاة في العشرينيات من عمرها، بسبب مؤثر قوي تعرضت له، وعندما استفاقت أصبحت تمُرُّ بمراحل الطفولة من جديد.

قد يفسَّر ذلك بالنكوص أو التراجع (وإن حدثت بعض المبالغة الدرامية)؛ فعندما تتعرض لضغط نفسي شديد أو تهديد عقلي، تلعب (الأنا) تلك الحيلة في إعادتك لمرحلة عمرية تشعر فيها بالأمان، كالطفولة مثلا.

يلاحَظ هذا النوع من ميكانيزمات الدفاع في الأطفال؛ فقد يعودون لمص أصابعهم أو تبليل أسرتهم ليلًا.

كذلك يحدث للبالغين (دون مبالغة درامية)؛ فقد يعود البالغ للنوم مع لعبة محشوة، أو قضم الأقلام مثلما كنا نفعل في الصغر.

لنأخذ استراحة محارب هنا لبعض الوقت، وتذكَّر أي ميكانيزمات الدفاع وجدت نفسك تستخدمها دومًا؟

هل تعلم أن معرفة أنواع ميكانزمات الدفاع المختلفة تساعدك على فهم مَنْ حولك؟ حاول أن تطبق ذلك وأخبرنا بالنتيجة!

حسنًا، لنواصل…

6- التعالي أو التسامي

يُعَدُّ التعالي واحدًا من ميكانزمات الدفاع الإيجابية. فهو مثل الإزاحة (إفراغ طاقة إحباطك)، ولكن بدلًا من إفراغها بطريقة سلبية مدمرة، فإنك تفرغها في شيء إيجابي، كالرسم أو الرياضة.

“تحويل طاقة الغضب البدائية داخل (الهو) إلى طاقة إيجابية غير مدمرة، وبشكل حضاري وآمن”، ذلك مفهوم التسامي.

7- التبرير

عندما يبرر الفرد موقفًا أو تصرفًا صدر منه بتفسيره الشخصي، حتى يشعر بالراحة مع قرار اتخذه، رغم وجود صوت بداخله يخبره بأنه مخطئ.

هذا الصوت الداخلي هو (الأنا العليا)… ضميرنا!

يظهر التبرير خصوصًا في (الأنا) الحساسة؛ فتأتي المبررات بصورة طبيعية ودون وعي، كما قيل: “نحن عادة جاهزون لتصديق كذبنا”.

8- تكوين رد الفعل العكسي

هل تظاهرت يومًا بالسعادة الشديدة رغم شعورك بالاكتئاب والقلق؟ إنها إحدى ميكانيزمات الدفاع النفسي التي تسعِد (الهو) بإبقاء (الأنا) في حالة من الإنكار.

بل إنها أكثر من الإنكار؛ فأنت تعرف بماذا تشعر، وتتصرف بطريقة معاكِسة تمامًا لِما تشعر به، فيظهر بشكل رد فعل مبالَغ فيه أحيانًا.

9- التقسيم 

“مشاكل العمل للعمل، ومشاكل المنزل للمنزل”. قد تبدو مقولة قديمة، ولكنها بالفعل إحدى ميكانزمات الدفاع، حيث يقسم الفرد حياته إلى أجزاء منفصلة مستقلة لا يسمح بتداخلها.

يبدو بعض زملاء عملك محافظين فيما يخص مشاكل حياتهم العائلية؛ ربما كان استخدامًا لا واعٍ لميكانيزمات الدفاع بغرض التركيز في العمل، والبعد عن التوتر والقلق الذي يحدِثه التفكير في الضغوطات، وربما كانوا ببساطة كتومين!

10- التفكير أو العقلنة

“لا تحزن، دعنا نفكر في الأمر بعقلانية”. إحدى أشهر ميكانيزمات الدفاع، ونستخدمها عند الشعور بالألم الشديد، فتُبعِد الأنا تلك المشاعر، وتبدأ بالتفكير بعقلانية شديدة مجردة من المشاعر.

فقدت عملك وعليك أطنان من الديون؟ أمامك حلان؛ اجلس وابكِ، أو قيِّم الأمر وأعدَّ خطة للخروج من هذا الضغط!

كانت تلك أشهر ميكانيزمات الدفاع التي تستخدمها (الأنا) لإيجاد أرض محايدة بين (الهو) و(الأنا العليا).

لنطرح سؤالًا: هل تختلف ميكانزمات الدفاع عند الطفل عن تلك الميكانزمات السابقة؟

ميكانزمات الدفاع عند الطفل

ميكانزمات الدفاع عند الطفل

عزيزي القارئ، عندما نصل إلى الأطفال في النظريات النفسية، تصبح الأمور أكثر تعقيدًا نظرًا لصعوبة إجراء الاختبارات النفسية عليهم.

ولكن دعنا نتطرق لنظرية حديثة نسبيًا تتعلق بتطور ميكانزمات الدفاع عند الطفل، نظرية “فيبي كريمر” -لا؛ ليس مبيض القهوة- التي تتحدث عن مبدأين أساسيين في تطور ميكانزمات الدفاع عند الأطفال، وهما:

1- المبدأ الأول

تظهر بعض تلك الميكانزمات وتسيطر لفترة ثم تختفي، ويتوقف ذلك على مدى إدراك الطفل. وبناءً على ذلك، فإن فاعلية تلك الميكانزمات أو ضعفها يتوقفان على مرحلة نمو الطفل.

2- المبدأ الثاني

اتفقت فيه النظرية مع (آنا فرويد)، وهو أن كل ميكانزم يتطور بطريقته الخاصة، إذ يبدأ الميكانيزم كانعكاس لمؤثر، ثم يُبرمَج داخل العقل اللاواعي، ومن هنا تنشأ ميكانيزمات الدفاع، وتستمر مع تطور الطفل.

كان الحديث مثيرًا، وللأسف لكل شيء نهاية، وهنا تأتي نهاية لقائنا مع ميكانيزمات الدفاع!

هل أعجبتك الرحلة؟ عُد من أجل المزيد، وتذكَّر…

“من نقاط ضعفك ستأتي قوتك!”

                                                                                   سيجموند فرويد

المصدر
10 Defense Mechanisms: What Are They and How They Help Us CopeDefense MechanismsDefense mechanisms in psychology: What are they?Psychological Defense Mechanisms: A New PerspectiveDefense Mechanisms10 Defense Mechanisms: What Are They and How They Help Us CopeDevelopment of a Defense Mechanisms Manual for Children’s Doll Play (DMCP)
اظهر المزيد

Shaymaa Ali

شيماء علي صيدلانية كاتبة محتوى طبي. لا يزال العلم يبهرني بالجديد يوما بعد يوم، أغوص في بحره باحثة عن كنوزه، لأعود بما ينير العقول. أسعى لترسيخ الثقافة العلمية والطبية في مجتمعنا العربي بلغتنا الأم. أمزج في مطبخي "مقالاتي😁" العلم بالأدب في خليط بطعم مميز جاهز لأجلك، فاستمتع به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق