نظريات

نظرية التعلق – Attachment theory

أمان… حماية… حب… اهتمام… رعاية…

هذا ما تقدمه الأم لرضيعها بعد ولادته، بل حياتها كلها تدور في فلكه، ويتكون رابط عاطفي وثيق بينها وبين طفلها.

يُعَدُّ هذا التعلق بين الأم ورضيعها أول عَلاقة تفاعلية يمُرُّ بها، ويختبر من خلالها العديد من المشاعر؛ فهي تُلبِّي له كل احتياجاته الأولية، وتؤهله للتطور الاجتماعي والعاطفي والمعرفي لاحقًا.

هل تؤثر طبيعة تلك العَلاقة على الطريقة التي تتعامل بها مع الآخرين في سنوات عمرك المقبلة؟ تقودنا الإجابة عن هذا السؤال إلى نظرية التعلق .

سنتحدث في السطور القادمة عن نظرية التعلق، ومؤسسها، وما هي أنماط التعلق، وما هو التعلق العاطفي، كما سنتطرق إلى علاج التعلق المرَضي؛ فتابع معنا هذا المقال.

ما هي نظرية التعلق (Attachment theory)؟

تركِّز نظرية التعلق على العلاقات طويلة الأمد بين الأشخاص، مثل: عَلاقة الطفل بوالديه، أو العَلاقة العاطفية بين الزوجين.

يُعَدُّ “جون بولبي – John Bowlby” مؤسس نظرية التعلق، وهو طبيب نفسي عمل -في ثلاثينيات القرن الماضي- في إحدى العيادات النفسية للأطفال في لندن.

عالج John Bowlby العديد من الأطفال المضطربين نفسيًا، ولاحظ أهمية عَلاقة الأم  بطفلها، وكيف تؤثر على تطوره العاطفي والاجتماعي والمعرفي.

إذ تتوطد العَلاقة بين الأم ورضيعها من خلال تلبيتها لاحتياجاته الأساسية، وتترسخ هذه العَلاقة قبل نهاية السنة الأولى من حياة الطفل.

كما لاحظ الضيق الشديد، والصراخ والبكاء الذي أصاب الرضع عند انفصالهم المبكر عن أمهاتهم، أو مَنْ يقوم بدورهن، حتى عندما تولَّى آخرون رعايتهم.

وافترض John Bowlby أن هذا السلوك هو ما يُعزِّز من فُرَص بقاء الطفل.

اقرأ أيضًا: الصحة النفسية عند الأطفال.

الوضع الغريب

في عام 1950، عملت Mary Ainsworth مع John Bowlby في وحدة أبحاثه في عيادة (تاڤيستوك) في لندن. وطورت العديد من الأفكار التي تبناها Bowlby فيما يتعلق بنظرية التعلق.

تعتمد تجربة Mary Ainsworth الرائدة -وتُدعَى “الوضع الغريب”- على الآثار العميقة التي يُحدِثها التعلق على سلوك الأطفال. 

الوضع الغريب

أُجرِيَت تجربة “الوضع الغريب” على الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12-18 شهرًا، لمراقبة سلوكهم عند انفصالهم عن أمهاتهم.

تُجرَى هذه التجربة في غرفة صغيرة، بها زجاج أحادي الاتجاه، في تسلسل من ثماني خطوات تستغرق كل منها ثلاث دقائق:

  • تدخل الأم والطفل والباحث الغرفة (تستغرق دقيقة واحدة).
  • يغادر الباحث، وتبقى الأم والطفل فقط.
  • ينضم شخص غريب إلى الأم وطفلها.
  • تغادر الأم الغرفة تاركة طفلها والشخص الغريب معًا.
  • تعود الأم بينما يغادر الشخص الغريب.
  • تترك الأم الغرفة، وتترك طفلها وحده.
  • يعود الشخص الغريب إلى الغرفة.
  • تعود الأم، ويغادر الشخص الغريب.

افترضت تجربة “الوضع الغريب” أن الأطفال بحاجة إلى تطوير اعتماد آمن -من خلال والدَيهم- قبل المغامرة وتركهم في موقف غير مألوف.

أنماط التعلق

اعتمدت الأبحاث التي أُجرِيَت على نظرية التعلق (Attachment theory) على انفصال الأطفال عن أمهاتهم لفترة وجيزة، ومراقبة سلوك الأطفال.

أظهرت نظرية التعلق أن الأطفال سوف يتفاعلون بإحدى الطُرُق الثلاث التالية عند لَمِّ شملِهم بأمهاتهم:

  • التعلق الآمن

يصف هذا النوع الطفل الذي يُظهِر ضيقًا عند انفصاله عن أمه، أو مَنْ يقوم بدورها، ولكنه يشعر بالسعادة عند عودتها، ويرحب بها.

  • التعلق القَلِق أو المقاوم

يصف هذا النمط الطفل الذي يعاني مستويات أعلى من القلق، ويستمر في القلق حتى بعد لَمِّ شملِه مع والدته. كما يظهر وكأنه يحاول معاقبتها على تَركِه.

التعلق القَلِق أو المقاوم
  • التعلق المتجنِّب

يشير هذا النوع من التعلق إلى الطفل الذي يستجيب بهدوء -إلى حد ما- لانفصاله عن أحد والدَيه. عادة ما يتجاهل هذا الطفل والدَيه عند لَمِّ الشمل بهم أو يتجنبهم.

في السنوات اللاحقة، أضاف الباحثون نمطًا رابعًا للتعلق، وهو:

  • التعلق غير المنظم أو المشوش

ويشير إلى الأطفال الذين ليس لديهم نمط محدد من سلوك التعلق يمكن التنبؤ به.

يُظهِر هذا الطفل سلوكًا غريبًا ومتناقضًا عند لَمِّ شملِه مع والدَيه؛ فقد يقترب منهم أو يبتعد عنهم، أو قد يحاول معاقبتهم!

من المتوقع أن يشير نمط تعلُّق الطفل بوالديه إلى طريقة الرعاية التي يتلقاها في سنواته الأولى، إذ يُظهر أولئك الأطفال الذين تلقوا الحب والدعم من والدَيهم تعلقًا آمنًا.

اقرأ أيضًا: الأمومة – بين الحب الجارف والخوف من المسؤولية!

بينما يشعر الأطفال الذين عانوا الإهمال -وعدم الاهتمام من ذويهم- بمستويات أعلى من القلق في علاقاتهم بالمحيطين بهم.

كما تأخذنا نظرية التعلق خطوة نحو الأمام، عندما نطبقها على علاقاتنا كراشدين؛ فقد يعتمد التعلق العاطفي بين الأزواج على أنماط التعلق التي نُظهِرها كأطفال، والرعاية التي تلقيناها من والدَينا.

نظرية التعلق عند البالغين

بناءً على الأبحاث التي أُجرِيَت على نظرية التعلق، فإن علاقات الطفولة تؤثر على سلوك التعلق عند البالغين.

إن الطفل الذي يُظهِر سلوك تعلُّقٍ آمِنٍ في صغره، يميل لأن يشعر بالأمان والراحة في علاقاته مع الآخرين عند بلوغه.

بينما الطفل الذي يُظهِر سلوك تعلُّقٍ غير آمِن، فإنه يميل إلى الشعور بالقلق تجاه علاقاته بالآخرين في مرحلة البلوغ.

التعلق العاطفي

يختلف التعلق العاطفي عن مشاعر الحب، إذ يشعر الشخص أنه متعلق بشريك حياته -أو بشخص آخر- بشكل مفرط وغير صحي.

وهو ما يُطلَق عليه أيضًا “التعلق المرَضي”؛ فيشعر الشخص بالحزن والإحباط عندما لا يبادله الطرف الآخر مشاعر التعلق بنفس القوة.

التعلق العاطفي

وغالبًا ما يستمر الشخص الذي يُظهِر التعلق المرَضي في علاقاته -وإن كانت سيئة- ولا يستطيع التخلي عنها، خوفًا من أن يصبح وحيدًا، أو أن يضطر إلى التعامل مع المتغيرات الجديدة في حياته.

يميل بعض الأشخاص إلى إظهار التعلق العاطفي ببعض العادات أو الممتلكات، وهو ما يجعلهم معتادين على القيام بنفس العادات.

إن كنت تشكو من التعلق المرضي، فقد تعتاد على شيء ما، فلا تستطيع التخلي عنه. كما يصعب عليك إحداث تغيير في حياتك؛ فتشعر وكأنك مُكبَّل بقيود من صنع يدك.

إن لاحظت أنك تعاني سلوك تعلُّقٍ مرَضي، فلا تتردد في أن تطرق أبواب المساعدة، وأن تبحث عن علاج.

علاج التعلق المرَضي عند الأطفال

من السهل علاج التعلق المرَضي عند الأطفال؛ إذ يُعَدُّ العلاج باللعب فعالًا.

يساعد العلاج الأطفال في بناء علاقات صحية مع ذويهم، كما يتعلمون كيفية التعامل مع الأعراض الناتجة عن مشكلات التعلق المبكرة.

علاج التعلق المرَضي عند البالغين

تؤثر مشكلات التعلق التي لم تُعالَج في الصغر فيقدرة البالغين على الحفاظ على علاقاتهم مع الآخرين.

هناك بعض الخطوات التي يمكنك اتخاذها للتغلب على التعلق المرضي في أثناء البلوغ، وهي:

  • معرفة سبب شعورك بالتعلق العاطفي بشكل مفرط تجاه الآخرين.
  • يجب عليك التفكير في كيفية التغلب على سلوك التعلق غير الآمِن الذي تتبعه.
  • قد يساعدك تلقِّي الدعم من أشخاص يتمتعون بأنماط تعلُّقٍ آمنة.

إن واجهت مشكلات في علاقاتك مع أصدقائك أو شريك حياتك، فلا تتردد في طلب المساعدة، واذهب إلى المعالج النفسي.

يعتمد علاج التعلق المرَضي على بناء عَلاقة وثيقة مع المعالج النفسي. 

يساعدك المعالج النفسي على:

  • اكتشاف تجارب الطفولة التي أثَّرَت عليك.
  • تحديد أنماط التعلق التي تصف علاقاتك بالآخرين.
  • تطوير طُرُق جديدة للتواصل مع الآخرين.

وصفت عدَّة أبحاث أنماط تعلُّقِ الأطفال بذويهم، والتي تؤثر بشكل كبير على علاقاتهم وسلوكهم في مرحلة البلوغ.

بعد قراءتك لهذا المقال، ما نمط التعلق الذي يصف علاقاتك بالآخرين؟

المصدر
What is Attachment Theory? Bowlby’s 4 Stages ExplainedBowlby & Ainsworth: What Is Attachment Theory?Attachment TheoryMary AinsworthHow Attachment Issues Impact Your RelationshipsAttachment Issues
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق