أنماط التفكير

نظرية التنافر المعرفي | لا أتفق مع أفكاري!

بداية قوية بعناوين غامضة! تجاهل العنوان مؤقتًا ودعني أحكي لك قصة…

في عام 1950، آمنت طائفة دينية بأن الأرض ستغرق بسبب الطوفان. ترك أفراد المجموعة منازلهم وحياتهم وأعمالهم، وتفرغوا للدعاء والعبادة -على طريقتهم- من أجل النجاة من ذاك الطوفان.

تتساءل ماذا حدث؟ لا شيء! ما زلتَ على قيد الحياة، أليس كذلك!

درس (ليون فستنجر) -صاحب نظرية التنافر المعرفي- تلك المجموعة، ولاحظ أن الأفراد شديدي الإيمان بنظرية الطوفان لم يصدقوا أن الطوفان لم يحدث لأنه تم خداعهم؛ بل اعتقدوا أن الطوفان لم يحدث لأن الله استجاب لدعائهم!

ومن هنا، خرج صديقنا (ليون) -في عام 1957- بتلك النظرية، لنتحدث عنها في مقالنا لهذا اليوم….

ما نظرية التنافر المعرفي؟

التنافر المعرفي: حالة من عدم الارتياح العقلي تنتاب الفرد عندما تتناقض معتقداته، أو أفكاره، أو تصرفاته مع معلومات جديدة تصل إليه.

يُفرَغ الضغط الناتج عن التناقض الفكري، أو العقلي، أو السلوكي بعدة مناورات دفاعية تهدف لاستعادة التوازن والتصالح مع العالم الخارجي. منها:

  • الإنكار.
  • الابتعاد عن المعلومات الجديدة.
  • إيهام النفس بأنه لا يوجد تناقض.
  • تقبل الاختلافات.

العوامل المؤثرة على درجة التنافر المعرفي

يختلف الأفراد في درجة تعرضهم للتنافر المعرفي، كيف ذلك؟

  • مقاومة الفرد للريبة والتناقض: عندما تزداد، يصبح المرء أقل تعرضًا للتنافر المعرفي. 
  • نوع المعتقدات: كلما كان المعتقد شخصيًا أكثر، تزيد درجة التنافر.
  • قيمة المعتقدات: إذا كان المعتقد ذا قيمة عالية، تزداد درجة التنافر.
  • شدة التناقض: كلما كان التناقض بين المعتقدات كبيرًا، يزيد حدوث التنافر.

كيف أميز حالة التنافر المعرفي؟

  • عندما تشعر بعدم الارتياح قبل اتخاذ قرار أو القيام بأمر ما.
  • محاولة التبرير العقلاني لقيامك بأمر ما أو قرار اتخذته.
  • الشعور بالخجل أو الإحراج، ومحاولة إخفاء قيامك بأمر ما.
  • الشعور بالذنب أو الندم تجاه قرار أو فعل حَدث في الماضي.
  • الخضوع لضغط المجتمع للقيام بأمر لا تريده.

سؤال: هل تدخن وأنت تعلم أن التدخين يسبب السرطان؟ هل تكذب رغم اعتقادك أنك شخص أمين؟ هل أنت من محبي البيئة وتركب سيارة تعمل بالبنزين؟

إذًا، صديقي العزيز، أنت في حالة من التناقض المعرفي.

تتساءل: بتلك البساطة!

الإجابة: نعم، فكِّر بِمَ يُشعِرك ذلك؟

أسباب التنافر المعرفي

1- الامتثال القسري

عندما تجد نفسك في موقف يُحتِّم عليك -بسبب ضغوط خارجية- أن تفعل شيئًا ما خارج إرادتك أو متناقض مع اعتقاداتك، هنا يحدث التنافر بين وعيك الذي يقول “لا أريد” وتصرفك “فعلت ما طُلِب منك”.

قد يكون الضغط الخارجي من المجتمع، أو المقارنة بين الأفراد في المدرسة أو العمل.

2- اتخاذ القرار

عندما توضَع في موقف اتخاذ القرار، سواء كان قرارًا كبيرًا أو صغيرًا، فإن ذلك من أسباب التنافر المعرفي، وبخاصة إذا كان كلا القرارين متقاربين كثيرًا.

بعد اتخاذ القرار، فإنك تلجأ لتذكير نفسك بكل إيجابيات ذلك القرار، كمحاولة منك لتقليل القلق والتوتر المتصاعد بداخلك.

ولأن حياتنا تمتلئ بالعديد من القرارات، هل تشعر بكم التنافر الذي نخضع له؟!

3- مقدار الجهد المبذول 

يزيد الجهد المبذول في القيام بشيء ما من قيمة هذا العمل في داخلنا، ولكن عندما تكون النهاية سلبية أو سيئة، هنا نشعر بالتنافر.

لتقليل هذا التنافر، نحاول إشعار أنفسنا أننا استمتعنا بالجهد المبذول، أو أننا بالفعل لم نبذل الكثير من الجهد.

مثال: لقد بذلت الكثير من الجهد لكتابة هذا المقال، وعلق قارئ بنقد سلبي -غير مفيد- مسببًا حدوث التنافر بداخلي، فقد أقول لنفسي: “يكفي أنني استمتعت بكتابة هذا المقال”، وربما أبكي قليلًا!

من فضلك لا تكن هذا الشخص!

4- الوصول إلى معرفة جديدة

“قد تؤلم المعرفة أحيانًا”! حين تصلك معلومات جديدة عن معتقد قديم لديك، أو تصحيح لسلوك تفعله، فإن ذلك تطبيق لنظرية التنافر المعرفي.

وللتغلب عليه، قد تلجأ لإنكار المعلومات الجديدة أو تبرير موقفك (راجع القصة التي سردتها في بداية المقال).

كيف نتعامل مع نظرية التنافر المعرفي

كيف نتعامل مع نظرية التنافر المعرفي

يمكن تقليل التنافر ببعض الوسائل، منها:

1- تغيير معتقداتك أو أفكارك أو تصرفاتك

واحدة من أفضل الطرق للتعامل مع التنافر، ولكنها الاختيار الأصعب على النفس، وخاصة في المعتقدات الدينية أو السلوكيات القديمة.

2- اكتساب معرفة جديدة

مثل معرفة معلومات جديدة تفوق معتقدك أو سلوكك القديم أهمية. فلو عرفت معلومة أن التدخين يسبب السرطان، فقد تتوقف عن التدخين.

لكن لو وصلتك معلومة أن الأبحاث لا يمكنها تأكيد علاقة التدخين بالسرطان، فالأكثر احتمالًا أنك ستستمر في التدخين.

3- تقليل أهمية المعتقد المتناقض

أنت تعلم أن التدخين يضر الصحة، وقد يسبب الوفاة المبكرة. قد يختار البعض أنه لا بأس بحياة قصيرة أتمتع فيها بما أريد -التدخين مثلًا- بدلًا من حياة طويلة مملة.

مؤكد أن الأعمار بيد الله وحده، ولكن تقليل أهمية معتقد أن التدخين يضر الصحة يقلل من التنافر مع سلوك التدخين نفسه.

لنسأل أنفسنا سؤالًا: هل يمكن قياس درجة التنافر؟

مقياس التنافر المعرفي

كما رأيت، نميل -نحن البشر- لتحقيق التناسق بين سلوكياتنا وتوجهاتنا الخاصة، لتجنب التنافر المعرفي. لذا، نستخدم طُرقًا غير معقولة أحيانًا -مثل الإنكار- لتحقيق ذلك التناسق.

يُخضع العلماء الطُرق المستخدَمة لتحقيق التوازن بين السلوكيات والتوجهات للتجربة، وهنا واجهتهم معضلة صعبة، وهي أن التنافر المعرفي ليس شيئًا ماديًا يمكن ملاحظته وقياسه كالوزن والطول وغيره.

لذا، حدد العلماء مقياس التنافر المعرفي بأنه مقياس نظري (مثل الرائحة؛ لا يمكن قياسها بطُرق علمية)، لذلك يمكن فقط القول أن الأشخاص الحساسين معرضون للتنافر أكثر من غيرهم.

الآن، لنلقِ نظرة على تطبيقين لنظرية التنافر المعرفي…

التطبيق الأول: نظرية التنافر المعرفي في علم النفس التربوي

يهتم علم النفس التربوي بدراسة كيف تحدث عملية التعليم، وكيف يتعلم الأفراد. فما تطبيق التنافر المعرفي في علم النفس التربوي؟

تحدثنا عن أسباب التنافر المعرفي، وكان منها الجهد المبذول، فكيف يمكن تطبيق هذا المبدأ هنا؟

بخلق التحفيز الذاتي داخل التلميذ تجاه التعلم، بدلًا من ربط التعلم بالحوافز الخارجية (مثل المكافآت والهدايا).

وبالتالي، يتعلم الطالب أن الجهد الذي يبذله في التعلم يكون مقابله العلم الذي يحصل عليه، وأن الهدف ليس النجاح الدراسي أو الهدايا.

نقطة أخرى، يأتي التلاميذ للتعلم في المدرسة من بيئات مختلفة اجتماعيًا وثقافيًا، ويحمل كل منهم بداخله المعتقدات والأفكار والقيم التي تربوا عليها.

وعندما يتلقون معلومات جديدة في المناهج الدراسية -أحد أسباب التنافر-، يميل التلاميذ للدفاع عن معتقداتهم وأفكارهم.

يجب على المعلمين الاستعداد لتلقي دفاع الطلاب بطُرق إيجابية تسهم في استقبال الطلاب للمعلومة صحيحة، واستيعاب ما يُقدَّم لهم من معرفة جديدة. 

التطبيق الثاني: نظرية التنافر المعرفي في علم النفس الاجتماعي

نظرية التنافر المعرفي في علم النفس الاجتماعي

دُرِس تطبيق نظرية التنافر المعرفي في علم النفس الاجتماعي في عدة جوانب، منها:

1- تشجيع الناس على المشاركات المجتمعية الإيجابية: مثل المشاركة في حملات نظافة المدينة، والحملات ضد السرعة الزائدة في أثناء القيادة.

2- تفسير إقبال الناس على التبرعات الخيرية.

3- مقاومة الكراهية والتفريق العنصري: درس العلماء علاقة ممارسة الشخص لأعمال عنف عرقية وزيادة السلوك العرقي العدائي.

ووجدوا أن الأشخاص الذين يمارسون العنف العرقي، يدخلون في دوامة من الكراهية بسبب التنافر المعرفي، رغبةً منهم في تبرير تصرفاتهم العنيفة وأفكارهم العنصرية.

ختامًا… لنتساءل: هل يعاني الجميع التنافر المعرفي؟ 

الإجابة: نعم، ولكن تختلف من فرد لآخر؛ فيظهر تطبيق تلك النظرية جليًا عند الأشخاص المتوترين دومًا، بينما يتعامل معظم الناس ببساطة مع ذلك التنافر، ولا يعانون التشتت الشديد كما تصفه النظرية.

والآن دورك، أخبرنا رأيك في تلك النظرية، وهل ترى علاقة بين زيادة الوعي العقلي والتنافر؟

المصدر
Cognitive Dissonance What Is Cognitive Dissonance? 5 Everyday Examples of Cognitive DissonanceCognitive dissonance: What to know Cognitive dissonance Tell Me Everything I Need to Know About Cognitive Dissonance Educational Psychology and the Learning Process Introduction to Educational Psychology TheoryCognitive dissonanceCognitive Dissonance
اظهر المزيد

Shaymaa Ali

شيماء علي صيدلانية كاتبة محتوى طبي. لا يزال العلم يبهرني بالجديد يوما بعد يوم، أغوص في بحره باحثة عن كنوزه، لأعود بما ينير العقول. أسعى لترسيخ الثقافة العلمية والطبية في مجتمعنا العربي بلغتنا الأم. أمزج في مطبخي "مقالاتي😁" العلم بالأدب في خليط بطعم مميز جاهز لأجلك، فاستمتع به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق