نظريات

نظرية الذكاءات المتعددة

جلست الأم الشابة تتحدث مع صديقتها، وقد بدا على وجهها علامات الحزن والغضب الشديد. 

ـ أشعر أن ابني غبي! أكرر على مسامعه كلمات المذاكرة مرات ومرات، ثم أسأله عنها فلا يجيب! 

– اهدئي يا عزيزتي، فربما طريقتك في التعليم لا تناسب طفلك. 

– كيف هذا؟! جميع الأطفال يتعلمون بنفس الطريقة، حتى نحن تعلمنا بهذه الطريقة في صغرنا. 

– ليس صحيحًا، خاصةً بعد اكتشاف نظرية الذكاءات المتعددة، التي أخبرتنا أن لكل طفل نوعًا خاصًّا من الذكاء، وطريقة معينة في التدريس قد تناسبه ولا تناسب غيره. 

– إنها أول مرة أسمع عن تلك النظرية! 

 ـ إذن، فلترافقيني عبر سطور هذا المقال؛ لأخبركِ كل ما تحتاجين معرفته عن الذكاءات المتعددة عند “جاردنر”، وعن تطبيقاتها في مجال التعليم. 

مفهوم الذكاء بين الماضي والحاضر

عندما كنا نسمع كلمة “الذكاء” في الماضي، كان أول شيء يتبادر إلى أذهاننا -في الغالب- هو اختبار الذكاء المعروف بـ “IQ”.

فمفهوم الذكاء قديمًا كان مرتبطًا فقط بالذكاء المعرفي أو القدرات الفكرية التي يمتلكها الفرد؛ إذ كان الاعتقاد السائد أن الذكاء هو قدرة يولد بها المرء، ويمكن قياسها، وكذلك يصعب تغييرها. 

في السنوات القليلة الماضية، برزت نظريات جديدة دحضت هذا المعتقد السائد عن الذكاء، وغيرت رؤيتنا التقليدية عن القدرات والإمكانيات التي يمتلكها البشر.

 من ضمن تلك النظريات: نظرية الذكاءات المتعددة لعالم النفس الأمريكي “هوارد جاردنر“. 

ما هي نظرية الذكاءات المتعددة؟

تحدث “جاردنر” عن نظرية الذكاءات المتعددة لأول مرة في كتابه “إطارات العقل” عام 1983.

وفيه يقول “جاردنر” إن المقياس التقليدي للذكاء ضيق ومقيِّد جدًا، وإنه لا يعبر عن الإمكانيات الحقيقية التي يمتلكها الفرد. 

لذا؛ فقد خلصت نظرية الذكاءات المتعددة عند “جاردنر” إلى أن البشر يمتلكون أنواعًا متعددة من الذكاءات، وطرقًا مختلفة من التفكير وأساليب التعلم. 

أنواع الذكاءات المتعددة 

ذكر “جاردنر” في كتابه ثمانية أنواع من الذكاءات، ثم اقترح بعد ذلك إضافة نوع آخر وأسماه “الذكاء الوجودي”، ليصبح عدد الذكاءات المتعددة -طبقًا لجاردنر- تسعة ذكاءات. 

سنتناول هذه الأنواع بالتفصيل في السطور القادمة، وسنتحدث عن المميزات التي تتميز بها كل فئة. 

الذكاءات المتعددة في علم النفس 

إدراكنا لأنواع الذكاءات المتعددة عند الأطفال، سيساعدنا على تطوير طرق التدريس، لكي نتمكن من استغلال إمكانيات الطفل وقدراته من أجل النهوض به وتنمية مهاراته. 

بالإضافة إلى ذلك، فهي طريقة جيدة لمساعدة المتعلمين على اختيار المجال المهني الذي يتناسب مع مهاراتهم، فيستطيعون التفوق والابتكار فيه. 

من أنواع الذكاءات المتعددة:

1- الذكاء اللغوي 

لدى المتعلمين الذين يتمتعون بهذا النوع من الذكاء حساسية خاصة تجاه الكلمات المنطوقة والمكتوبة، فيمكنهم فهمها واستخلاص معانيها بسهولة. 

يستطيعون تعلم اللغات بسهولة، وكذلك لديهم قدرة على استخدام مفردات اللغة ببراعة لتحقيق أهدافهم. 

إذا كنت تتمتع بذكاء لغوي، فهذه المهن قد تكون مناسبة لمهاراتك:

  • المحاماة
  • الخطابة
  • الصحافة
  • التأليف والكتابة
  • الإعلام

2- الذكاء المنطقي – الرياضي

يكون لدى المتعلمين من هذه الفئة قدرة على تحليل المشكلات منطقيًا، وحل المعادلات الرياضية الصعبة، والتفكير بطريقة علمية لربط الأمور ببعضها واستخلاص النتائج. 

كذلك يكون لديهم فهم أفضل للأنماط والعلاقات، وبراعة في استخدام الأدلة والبراهين وإجراء الحسابات. 

من ضمن المشاهير الذين يتمتعون بهذا النوع من الذكاء: (ألبرت أينشتاين)، و(بيل جيتس). 

إذا كنت تتمتع بهذا النوع من الذكاء، فربما تصلح لأن تكون:

  • مدرس رياضيات
  • محاسب
  • إحصائي
  • عالم 
  • محلل نظم أجهزة الحاسوب

3- الذكاء البصري – المكاني

ويتميز من يمتلك هذا النوع من الذكاء بالقدرة على تحليل الأبعاد المكانية ذهنيًا، وقراءة الخرائط واستخدام البوصلة. 

يبرع أيضًا أصحاب الذكاء البصري – المكاني في الرسم والفنون، وتحليل الرسوم البيانية، وفك القطع وتركيبها. 

إذا كنت تمتلك هذا النوع من الذكاء، فيمكنك العمل كـ

  • طيار 
  • ملاح 
  • جراح
  • معماري
  • مصمم ديكور
  • مصمم جرافيك

4- الذكاء الحركي

يكون لدى الأشخاص من هذه الفئة مهارة استخدام أجزاء جسدهم في الإبداع والابتكار، وكذلك يميلون إلى استخدام أيديهم وأرجلهم في حل المشكلات.

الذكاء الحركي

يتمتعون بدرجة عالية من التوافق العضلي العصبي. 

يمكن لصاحب هذا الذكاء العمل كـ:

  • لاعب رياضي
  • جراح
  • معالج فيزيائي
  • ميكانيكي
  • نجار

5- الذكاء الموسيقي

يكون لدى المتعلمين من هذه الفئة حساسية تجاه النغمات والإيقاع. 

يمكنهم العمل في مجال الموسيقى والإنشاد. 

6- الذكاء التفاعلي

أصحاب هذا الذكاء يكون لديهم قدرة فائقة على التواصل الفعال وفهم لغة الجسد والإشارات، ولديهم أيضًا مهارة التعاطف مع الآخرين والشعور بهم ومشاركتهم آلامهم وأفراحهم. 

إذا كنت تتمتع بهذا النوع من الذكاء، فأنت أفضل من يعمل كـ:

  • مدرس
  • طبيب نفسي
  • مدير مبيعات
  • موظف علاقات عامة
  • مدير عام

7- الذكاء الذاتي

ويعني: القدرة على فهم الذات والتعبير عنها وعن احتياجاتها. 

اقرأ هنا عن: عجز الطفل عن التعبير عن مشاعره ورغباته

يستطيع أصحاب هذا الذكاء تحديد أولوياتهم وأهدافهم من الحياة بدقة، والعمل على تحقيقها وإنجازها. 

يمكنهم العمل كـ:

  • معالجين نفسيين 
  • استشاريين نفسيين
  • رجال دين
  • مدربي تنمية بشرية

8- الذكاء الطبيعي 

الذكاء الطبيعي

لدى من يمتلك هذا الذكاء شغف التعرف على بيئته المحيطة، وما تحويه من خبايا وأسرار.

يمكنه العمل كـ:

  • عالم نباتات 
  • عالم أحياء
  • عالمُ فلك 
  • عالم أرصاد جوية
  • جيولوجي
  • مزارع

والآن، بعد أن تعرفنا إلى الأنواع المختلفة من الذكاءات المتعددة في علم النفس، دعونا نتناول تطبيقات هذه النظرية وفوائدها في مجال التعليم. 

مميزات نظرية الذكاءات المتعددة 

غيرت نظرية الذكاءات المتعددة وجه التعليم، وساعدت على ابتكار طرق تدريس حديثة هدفها الأول استكشاف ذكاءات المتعلمين، ومن ثَمَّ استخدام ما يناسبهم من أدوات ووسائل لإيصال المعلومة والاستفادة منها. 

فببساطة، إذا كان هناك أنواعٌ مختلفة من الذكاءات المتعددة عند الأطفال، فليس منطقيًا أن يُستخدم معهم جميعًا نفس طريقة التدريس. 

كذلك تهدف نظرية الذكاءات المتعددة إلى مساعدة كل من المعلمين والطلاب على استكشاف مهاراتهم وقدراتهم؛ فيمكنهم استغلالها بأنفسهم بعد ذلك في التعلم الذاتي، أو في حل مشكلات حياتهم، أو النهوض بحياتهم المهنية بناءً على ما يمتلكون من مهارات. 

بمعنى آخر، استخدام نظرية الذكاءات المتعددة ليس مقصورًا فقط على إفهام الطلاب المواد الدراسية، بل إن مفهومها واسع وشامل، ويؤدي تطبيقها في مجال التعليم دورًا كبيرًا في بناء شخصية الأطفال وتنميتها. 

نقد نظرية الذكاءات المتعددة

على الرغم من مميزات نظرية الذكاءات المتعددة الواضحة للجميع، فقد رفضها بعض علماء النفس والتربويين لهذه الأسباب:

  • قال بعض الرافضين إن مفهوم الذكاء في نظرية “جاردنر” واسع جدًّا، ويعبر ببساطة عن الصفات الشخصية والطباع والقدرات، وليس عن مفهوم الذكاء المعرفي المعروف للجميع. 
  • انتقد بعضهم النظرية؛ لأنها افتقرت إلى البحث التجريبي الذي من المفترض أن تُبنى عليه أي نظرية قبل تطبيقها. 

على الرغم من كل شيء، فما زالت نظرية الذكاءات المتعددة تثبت كفاءتها يومًا بعد يوم في مجال التدريس، بعد أن تبنتها الكثير من المؤسسات التعليمية؛ إذ ساعدت على استكشاف قدرات المتعلمين واستغلالها، بدلًا من حصرهم في قالب واحد وتطويعهم ليكونوا جميعًا نسخًا متشابهة. 

المصدر
Gardner's Theory of Multiple IntelligencesGardner's Theory of Multiple IntelligencesBenefits of Multiple Intelligences
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق