نظريات

نظرية المارشيملو – اِمسك نفسك!

نسعى إلى تربية أبنائنا بأفضل ما يكون وأن نزرع فيهم أسمى القيم والمعاني. يساعدنا الأطباء النفسيون ببعض التجارِب العلمية وملاحظة سلوكيات مَنْ خضعوا للتجربة فيما بعد.

ولنا في نظرية المارشيملو مثال جيد على إحدى هذه الدراسات.

اختبار نظرية المارشيملو

إن تجرِبة المارشميلو التي أجراها “والتر ميتشيل – Walter Mischel” هي التطبيق العملي للحكمة القائلة “اِصبِرْ، تَنَل”.

وكذلك فهي تؤكد قيمة التحكم بالنفس وقوة العزيمة، مما يُنبِئ بشخصية مكافحة وناجحة بإذن الله.

المرحلة الأولى

بدأت الدراسة في جامعة ستانفورد -عام 1960- واستمرت لسنوات طويلة، وتُوبِع مَنْ خضعوا لها على مدار 20-50 عامًا.

أدرج الباحثون مجموعة من الأطفال في التجربة (حوالي 600 طفل من الذكور والإناث بعمر الرابعة)، وذلك بموافقة الأهل.

كان الطفل يدخل إلى غرفة مغلقة، لا يُوجَد بها سوى منضدة ومقعد، ولا توجد ألعاب أو تلفزيون. كان الباحث يضع قطعة مارشيمللو أمام الطفل، ويخبره أن هذه القطعة له فعلًا.

ويوضح له أنه إذا صبر حتى نهاية المدة الزمنية المقررة (15 دقيقة)، فسوف يحصل على قطعة أخرى من المارشميللو. 

ومن ثَمَّ، يترك الباحث الطفل والقرار بيده؛ يأكل قطعة واحدة الآن ولكنها ستكون الأخيرة، أو يمنع نفسه ويصبر لينال قطعتين بعد هُنيهة من الوقت.

يحتاج هذا الصبر إلى ضبط الذات لكي يتمكن الطفل من تأجيل حصوله على المكافأة الفورية، في سبيل هدف أفضل على المدى البعيد.

رُصِدَت استجابات الصِبْية وملاحظة الصراع النفسي وأمارات التفكير والتردد، وأيضًا تحديد مَنْ منهم تعجَّل الفوز ومَنْ الذي صبر.

المرحلة الثانية

تتبَّع الباحثون القائمون على التجربة هؤلاء الأطفال فيما بعد، لدراسة سلوكياتهم ونجاحاتهم الاجتماعية والعملية، وكانت هذه النتيجة الرائعة لنظرية المارشميلو.

إن شباب اليوم -الذين أصبحوا ناجحين، ومثابرين، وملتزمين بالقواعد- هم أنفسهم مَنْ نجحوا في اختبار المارشميلو وهم صغار.

أي إن ذلك الطفل الذي صبر والتزم بالقاعدة ونظر للهدف الأفضل، هو من أصبح مراهقًا وشابًا ثم  ناضجًا ذا تخطيط ونظام في حياته.

فهو الأكثر التزامًا بالقوانين والقواعد والأخلاق والدين، حيث كان -في صغره- هادئًا ولا يفتعل المشاكل في المدرسة، وملتزم أخلاقيًا ومنظَّم حياتيًا.

وهو متفوق أكاديميًا في دراسته أيضًا، لأنه كان يفضِّل متعة التفوق في نهاية العام على المتعة اللحظية للتنزه أو اللعب.

له قدرة على التحكم بالنفس أمام الإغراءات المادية الفورية، وبذلك لا يسقط في الخطأ والحرام بسهولة.

أهداف التجربة و نظرية المارشيملو

  1. تحفيز الطفل على ضبط الذات لفترة مقبولة، من أجل الأفضل والأطول أمدًا.
  2. تشجيع الطفل للبحث عن طُرُق لصرف انتباهه عن المكافأة الفورية، لكي يساعد نفسه على الصبر والالتزام… كيف؟

في تجرِبة المارشميلو، الطفل الذي ظل ينظر إلى قطعة الحلوى باستمرار، كان يفكر -قطعًا- في مدى حلاوة مذاقها، مما يزيد من اشتهائه لها.

أما الطفل غير العَجول، فرغم وجود القطعة أمامه، فإنه اخترع وسيلة -لتشتيت تفكيره عن لذة الحلوى- تمثَّلت في:

  • الغناء أو الدندنة بلحن ما.
  • التجول بالبصر في المكان.
  • التحرك بالغرفة.

تُعرَف هذه الوسائل للتحايل على الرغبة وتخفيف حدة الاندفاع إليها باِسم “Cooling system”.

  1. التفكير في تحسين الظروف، التي تدفع الشخص للتخلي عن صبره من أجل الحصول على المكافأة السريعة، التي قد تكون ضارة.  
  2. توضيح أهمية إعطاء الطفل خيارات متعددة، ثم تركه ليأخذ القرار. ومن هذا، سيتعلم الطفل كيف يتحمل النتائج المترتبة على قراره، سلبيةً كانت أو إيجابية.

العوامل التي تؤثر على التحكم بالنفس

  1. يؤثر التعرض للتوتر العصبي سلبًا على القدرة على التحكم بالنفس، لعدم القدرة على تفعيل وسائل صرف الانتباه. 
  2. إن الضغط العصبي والقلق في أثناء التعرض للمغريات -وكذلك خلال الطفولة- يقلل من القدرة على ضبط الذات.
  3. قوة وتفوُّق “الأنا” لدى الشخص في مقابل “الهو“، مما يدفعه لتأجيل المُتَع اللحظية قليلًا.
  4. العامل الثقافي والمجتمعي والجنسي؛ حيث يعتمد هذا العامل على نظرة المجتمع للذكر وللأنثى.

نحتاج هنا إلى بعض التفسير؛ إذا كان المجتمع يُفضِّل أن يكون الذكر مِقدامًا مغامِرًا واثقًا بنفسه وصاحب قرار، ستقل قدرته على ضبط الذات لأنه لن يجد حرجًا في أن يكون مندفِعًا نحو ما يحب.

ونفس المجتمع يرى الأنثى المحترَمة هي تلك الخجول الهادئة المضحية التي لا تُصرِّح برغباتها؛ لذا حتمًا فستكون قدرتها على التحكم بالنفس أعلى.

أي إن الاختلاف بين الجنسين هنا هو نتيجة الاختلاف في نظرة المجتمع لكليهما.

فرط ضبط الذات

يقول المثل المصري: “ما زاد عن حَدِّه، تحوَّل إلى ضِدِّه”، وهو الحال هنا؛ بمعنى أنه من الجيد أن نصبر من أجل الحصول على الأفضل، ولكن ماذا إن لم يكن هناك أفضل؟!

هنا، فلتستمتع بحياتك وبالسعادة الآنية، ولا تمنع نفسك منها فتخسر الفرصة في الشعور بالسعادة، أو في التعبير عن مشاعرك.

تطبيقات نظرية المارشيملو

  1. الجانب الديني

إن أهم وأوضح الأمثلة الحياتية التي تفسرها نظرية المارشميلو هي التزام المؤمنين بتعاليم الدين، رغبةً في دخول الجنة في الآخرة. 

إن الإنسان يتجنب المُحرَّمات مع ما بها من لذة لحظية، وكذلك يتحمل الاجتهاد والإتقان مع ما يسببه من إرهاق، وكل هذا في سبيل الحصول على الثواب والوصول إلى الجنة.

  1. الجانب الأكاديمي

يصبر الطالب على تعب الاستذكار، وحضور الدروس، والالتزام بالفروض الدراسية. كل هذا لأنه يرى تفوقه في نهاية العام بعين الخيال.

إنه يشعر مقدَّمًا بالفرحة الغامِرة، والتي -حتمًا- تفوق السعادة التي سيختلس لحظاتها الآن من أجل لُعْبَة على الهاتف النقال، أو تواصُل مع الأصدقاء بلا طائل.

  1. الجانب الصحي

إن مقاومة الشخص لإغراء الطعام غير الصحي -لفترة ما- سيساعده في الحفاظ على الوزن والجسد المثالي. ومن ثَمَّ، الصحة الجيدة.

  1. الجانب العملي

يظن المدقِّقون في نظرية المارشميلو أن الشخص الناجح في استثماراته ومشاريعه وعمله هو مَنْ يستطيع تأجيل شعوره بالمتعة لما بعد، وكذلك فإنه يستطيع تنمية مصادر دخله.

في حين أن الشخص الفاشل هو من يتعجل الحصول على متعته، ويبحث عن الراحة والدعة ومتعة اللحظة فقط، فيكون فقيرًا.

  1. الجانب الترفيهي

يستفيد المبرمجون من نظرية المارشميلو في تطوير بعض الألعاب الإلكترونية.

على سبيل المثال: يُعطَي اللاعب خيارًا من اثنين: أن يأكل الثمرة الآن، أو يزرع شجرة ويستفيد منها مستقبلًا بصورة أكبر. 

من الضروري أن نوضح أن نظرية المارشميلو أثارت بعض الجدال، وما زالت. وأن بعض الباحثين أعادوا اختبار المارشيملو بطريقة مختلفة قليلًا، وبعدد أكبر من الأطفال (وصل إلى 900 طفل).

ولاحظ هؤلاء الباحثون أن مَنْ امتنعوا عن تناوُل قطعة الكوكيز -أو الحلوى- كانت لهم مهارات عقلية في الحسابات والقدرات العلمية. 

ولنطبق نحن نظرية المارشيملو

  1. فلنُعطِ أطفالنا فرصة الاختيار بين الصحيح والخطأ، والمكافأة والعقاب، ولا نتهاون في تعليمهم أن للخطأ عقوبة.
  2. سيستفيد الطفل من هذا دينيًا ودنيويًا؛ بالالتزام بتعاليم الدين وأيضًا بالقوانين، مثل المرور والعمل… إلخ.
  3. ينبغي لنا مساعدة بعضنا البعض -وكذلك أطفالنا- في تنفيذ القرارات الأسلم بواسطة تهيئة الظروف. 
  4. لا تَلُمْ الفقير على عدم الالتزام بالقوانين أو ارتكاب الجريمة؛ بل ساعده في تحسين ظروفه لكي يختار الاختيار الأفضل.
  5. فلنؤجل إرضاء الرغبات اللحظية قليلًا، ولنسعَ للعمل الدؤوب، ولا نستعجل النتائج.
المصدر
Acing the marshmallow testA New Approach to the Marshmallow Test Yields Complicated FindingsDelay of gratification
اظهر المزيد

د. أسماء أبو بكر

طبيبة بشرية أتوق دائما لتعلم الجديد، ولنقل العلم مع تبسيطه للجميع. أحرص على الوصول للمعلومة من أدق المصادر، ومن ثم أصيغها للقارئ والمتعلم بأسلوب علمي مبسط. أمتلك موهبة السرد المنظم الشامل. صقل عملي في التدريس الجامعي هذه الموهبة، لأضع بين القارئ علما موثوقا فيه يسير الفهم. أكتب من أجل إتاحة المعلومة الطبية الموثقة للجميع. أكتب لأنني أهوى الشرح والتفسير. أكتب لأنني أشعر بالإنجاز والسعادة مع كل مقطع أنتهي منه. أكتب لنشر العلم ودحر الجهل. أكتب صدقة عن نفسي وعلمي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق