نظريات

نظرية الهوية الاجتماعية (Social identity theory) | نحن وَهُم!

اسمي (سما)، أنهيت دراستي الجامعية منذ عامين، وانتهزت الفرصة في السفر والترحال؛ فهو عشقي الثاني بعد دراسة علم النفس.

دائمًا ما تشدني الثقافات المختلفة، وكيف يتشابه أبناء المكان الواحد، وقد زرت منذ شهرين النوبة وأذهلني ما رأيت؛ كيف تتناسق تلك البيوت مع الطبيعة، وتنتشر الألوان الزاهية وكأنها لوحة مرسومة! ولن أنسى طيبة أهل النوبة وكيف يتعاملون بود وحب، وحتى زيهم يبدو متشابهًا وله هويته الخاصة به.

وهنا تذكرت نظرية الهوية الاجتماعية، وكيف يكون الفرد جزءًا من المجموعة، وكيف تكون المجموعة جزءًا منه.

سنتحدث في السطور القادمة عن الهوية الاجتماعية في علم النفس، ونظريات الهوية الاجتماعية، والفرق بين الهوية الشخصية والهوية الاجتماعية، فتابع معنا هذا المقال.

الهوية الاجتماعية في علم النفس

تُعرف بأنها معرفة الفرد بذاته بناءً على انتمائه إلى مجموعة ما، ولا تتطلب الهوية الاجتماعية وعي الفرد بانتمائه لتلك المجموعة فحسب؛ بل وارتباطه بها، وشعوره بأهميتها وقيمتها.

يختلف سلوك الإنسان تمامًا عندما يتصرف كجزء من المجموعة التي ينتمي إليها عن سلوكه كفرد، ويختلف أيضًا سلوكه تبعًا للمجموعة.

على سبيل المثال: (محمد) طبيب ناجح، عندما تشاهده وهو يناقش أحد زملائه في حالة طبية، تجده شخصًا مختلفًا عن ذلك الذي يجلس مع أصدقائه في النادي لمشاهدة إحدى مباريات فريقهم المفضل، وتختلف طريقته عندما يجتمع بأصدقائه من العمل التطوعي.

تشمل المجموعات الاجتماعية: الدين والعِرق والنوع والجنسية والمهنة.

نظريات الهوية الاجتماعية

تعد نظرية الهوية الاجتماعية أهم هذه النظريات، وهي واحدة من أكبر إسهامات (هنري تاجفيل) في علم النفس، ويُطلَق عليها أيضًا “نظرية التصنيف الاجتماعي”.

نظرية الهوية الاجتماعية

في عام 1979، قدم العالمان النفسيان (هنري تاجفيل) و(جون تيرنر) نظرية الهوية الاجتماعية، إذ تُحدِّد هويتُنا الاجتماعية لفئة معينة مبادئنا وأفكارنا وسلوكنا.

تشير نظرية الهوية الاجتماعية أن المجموعة التي ننتمي إليها، مثل: الأسرة أو فريق كرة القدم أو الطبقة الاجتماعية،
تمنحنا شعورًا بتقدير الذات، والشعور بالهوية، والانتماء إلى العالم الخارجي.

تقسِّم هذه النظرية العالَم إلى “نحن” و”هم”، بناءً على عملية التصنيف الاجتماعي، إذ نضع نحن الآخرين في
مجموعات اجتماعية، وكذلك يفعل الآخرون؛ ولذا أُطلِق عليها “نظرية التصنيف الاجتماعي”.

اقترح (هنري تاجفيل) أن وضع الأشخاص في مجموعات أو فئات، يعتمد على ميلنا إلى تجميع الأشياء معًا، وهو ما يجعلنا نبالغ في:

  •  الاختلافات بين المجموعات.
  • تشابه الأفراد داخل نفس المجموعة.

طبقًا لنظرية الهوية الاجتماعية، يسعى الأفراد داخل المجموعة “نحن” إلى التنقيب عن أوجه القصور والسلبيات في
الأفراد خارج المجموعة “هم”، ويؤدي تشويه صورة الآخرين إلى تعزيز سمات من هم داخل المجموعة، وهو ما يضمن الفوز في تلك المقارنة الاجتماعية؛ ليعزز تقديرهم لذاتهم.

وهو ما نراه جليًا عند مشجعي كرة القدم؛ إذ يميل أعضاء كل فريق إلى الإساءة إلى الفريق الآخر وتشويه صورتهم،
وهو ما يعزز لديهم الشعور بالفخر بفريقهم والشعور بأنه الأفضل.

ولكن مع الأسف، قد يؤدي التحيز للمجموعة إلى العنصرية، وقد ظهرت في أبشع صورها في الإبادة الجماعية التي
حدثت في سربرنيتسا في البوسنة والهرسك، ويشهد التاريخ على العديد من المجازر التي نُفِذت بسبب التعصب والعنصرية.

أمثلة للمجموعات (داخل المجموعة أو خارجها)

  • رواندا: الهوتو والتوتسي.
  • يوغوسلافيا: البوسنة والصرب.
  • ألمانيا: اليهود والنازيون.
  • النوع: ذكور وإناث.
  • كرة القدم: الأهلي والزمالك.

مكونات الهوية الاجتماعية

تبعًا لنظرية الهوية الاجتماعية؛ اقترح (تاجفيل) و(تيرنر) أن تقييم الآخرين على كونهم داخل أو خارج المجموعة “نحن أم هم” يتكون من ثلاث مراحل.

تشتمل مكونات الهوية الاجتماعية على المراحل الآتية بالترتيب:

التصنيف الاجتماعي

هي الخطوة الأولى لتحديد الهوية الاجتماعية، نحن نصنف أنفسنا والآخرين لفهم البيئة الاجتماعية التي ننتمي إليها،
ونستخدم مفهوم “الفئات الاجتماعية” لفهم ذلك؛ ولذا فنحن نشير إلى بعض الفئات بـ “العربي أو الأجنبي أو الطبيب أو الطالب أو المرأة العاملة”.

عندما نصنف شخصًا ما تبعًا لفئة اجتماعية معينة؛ فهذا من شأنه أن يخبرنا الصفات والخصائص المشتركة بينه وبين
أفراد تلك الفئة.

وبالمثل، فنحن نكتشف أشياء عن أنفسنا من خلال معرفة الفئات التي ننتمي إليها، ونحدد السلوك المناسب بالعودة إلى
المعايير التي تحكم المجموعات التي ننتمي إليها.

يمكن للفرد أن ينتمي للعديد من الفئات الاجتماعية، على سبيل المثال: آدم شاب “ينتمي إلى الشباب” رياضي
“ينتمي إلى الرياضيين” ويعمل مهندسًا “ينتمي إلى فئة المهندسين”، وهكذا.

التحديد الاجتماعي

هي الخطوة الثانية، وهنا نحدد الهوية الاجتماعية للفئة أو المجموعة التي صنفنا أنفسنا تبعًا لها.

على سبيل المثال: إذا صنفت نفسك طالبًا؛ فإنك تبدأ في تبنِّي هوية الطالب، وتبدأ تتصرف بالطريقة التي تظن أن الطلاب يتصرفون بها، وهو ما يتوافق مع معايير المجموعة.

عندما تحدد هويتك الاجتماعية للفئة التي تنتمي إليها، سيصبح احترامك لذاتك وتقديرها مرتبطًا بكونك جزءًا من تلك المجموعة.

المقارنة الاجتماعية

نحن نصنف أنفسنا والآخرين إلى مجموعات، ثم نحدد الهوية الاجتماعية لتلك الفئة التي ننتمي إليها، ثم في النهاية، نبدأ في عقد المقارنات الاجتماعية بين مجموعتنا والمجموعات الأخرى.

وخلال ذلك، نميل إلى التنقيب عن أوجه القصور لدى المجموعات الأخرى، لنعزز لدينا الشعور باحترام الذات، وكأن الأمر منوط بتشويه صورة الآخرين!

وهذا ما يوجه انتباهنا إلى التحيز، فبمجرد أن تحدد فئتان نفسيهما متنافسين، يبدأ أعضاء كل فئة في التحيز لمجموعته
والصراع فيما بينهم للحفاظ على تقديرهم لذاتهم، وهذا ما يفسر التعصب والعداء بين أعضاء الفئتين.

عقدة الهوية الاجتماعية

سبق وذكرنا أن الإنسان ينتمي إلى العديد من الفئات الاجتماعية التي تحدد سلوكه وأفكاره ومبادئه، وهو ما يجعلنا
نتساءل: كيف يمكن للفرد أن يدمج هذه الهويات الاجتماعية المختلفة عندما يحدد هويته الخاصة؟

تشير عقدة الهوية الاجتماعية إلى التداخل بين تلك المجموعات التي ينتمي إليها الفرد الواحد، وقد أشار (روكاس)
و(بروير) إلى أن انتماء الفرد إلى العديد من المجموعات وامتلاكه العديد من الهويات الاجتماعية يؤدي إلى تفاقم عقدة الهوية الاجتماعية.

الفرق بين الهوية الشخصية والهوية الاجتماعية

ترتكز الهوية الاجتماعية على مجموعة الخصائص التي من خلالها يصنف الفرد نفسه (أو يصنفه الآخرون)
تبعًا لإحدى المجموعات، وتشير تلك الخصائص إلى هوية الفرد الاجتماعية طبقًا لنظرية الهوية الاجتماعية.

بينما تجمع الهوية الاجتماعية أفرادًا لهم نفس السمات، فإن الهوية الشخصية هي ما تميز الإنسان نفسه؛ فهي ترتكز على سماته الشخصية وليس الصفات التي تجمعه مع آخرين.

تُعرف الهوية الشخصية بأنها معرفة الإنسان بذاته وتقديره لها، أي أنها الوعي والتعرف على الذات كفرد منفصل عن المجموعة.

بقول آخر، الهوية الاجتماعية هي القصة التي يرويها الآخرون عنك، بينما الهوية الشخصية هي القصة التي ترويها عن نفسك.

والآن بعد أن تعرفنا إلى نظرية الهوية الاجتماعية، فكر قليلًا في المجموعات المختلفة التي تنتمي إليها، وأخبرنا ما هي؟

ربما تكون الفريق الرياضي الذي تشجعه، أو نوعك (رجل أو امرأة)، أو حالتك الاجتماعية (متزوج أو أعزب)،
وربما المجتمع الذي نشأت فيه، أو زملاء العمل، أو الحزب السياسي الذي صوَّت له.

والآن أخبرنا ما الذي يتبادر إلى ذهنك عند التفكير في هذه المجموعات؟ من المحتمل أن تكتشف أنك لست فقط جزءًا من تلك المجموعات، بل إنها أصبحت جزءًا منك.

المصدر
Social Identity TheorySocial Identity TheorySocial identity: 'us' and 'them'Social Identity Complexity: Its Correlates and AntecedentsThe difference between Social Identity and Self Identity
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق