نظريات

نظرية تأثير الهالة

الانطباعات الأولى تدوم…

موقف 1: إن (عادلًا) أنيق. لذا، من المؤكد أنه ذكي! لا بُدَّ أن أكلفه التفاوض مع العميل.

موقف 2: كنت أرى أن التقارير المرسلة من المهندس (ياسر) متكاملة، فظننته هادئًا وذكيًا، ولكنني تفاجأت بكونه حاد الطباع.

نظرية تأثير الهالة هي ما تعطيك هذه الانطباعات غير الحقيقية عن الأشخاص. لذا، خذ نفسًا عميقًا، وتعال أفسر لك ما تأثير الهالة، وما أثر الهالة في التعليم…

نظرية تأثير الهالة (Halo effect)

جربنا جميعًا أن نتعرف إلى شخص ما أول مرة، فنطبع الصفة الأساسية التي لفتت انتباهنا على جميع أركان شخصيته وتصرفاته.

بمعنى أن تراه أول مرة هادئًا مثلًا، فيتبادر إلى ذهنك أنه -لا بُدَّ- محب للشعر وذو أفكار راجحة دائمًا. ولكن عندما تتعامل معه طويلًا، تكتشف أنه هادئ لأنه كسول، ولا يحب العمل، وذو آراء ضحلة.

أعط طفلًا الصورة الشهيرة لـ(ألبرت اينشتاين) مُخرِجًا لسانه من فمه، ثم سَلْه عن رأيه في هذا الشخص، لا بُدَّ أنك توقعت إجابة الطفل.

نظرية تأثير الهالة

هل ترى هذا الطفل الذي يتقافز من مكان لآخر ويصيح عاليًا طول الوقت؟ هل تعرف أنه عبقري في الحسابات؟

إن تأثير الهالة (halo effect) هو ما جعلك تتوقع سمات وتصرفات معينة بناء على صفة واحدة بالشخص.

إن الطبيب النفسي “إدوارد ثورنديك” هو أول مَنْ تحدَّث عن نظرية تأثير الهالة، عندما لاحظ الضباط وهم يتعاملون مع جنودهم.

لقد لاحظ قبل التحدث مع الجنود أن هناك انطباعًا بأن كل مَنْ هو وسيم وقوي البنية سيكون ذكيًا لماحًا، وكان هذا الانطباع قبل التحدث مع الجنود.

وكذلك لاحظ مع الوقت أن هذا الارتباط بين الوسامة وطول القامة من جهة، والذكاء من جهة أخرى،
لم يكن دومًا صائبًا.

ومن هنا، أنشأ نظرية تأثير الهالة، والتي تقول بأننا قد نبني تصورًا ذهنيًا مسبقًا عن صفات الشخص السلوكية،
ومهاراته العقلية اعتمادًا على صفاته الجسدية.

ومن ثَمَّ، نُعمِّم هذا التصور، ونصدر بشأن الشخص قرارات، أو نكلفه مسؤوليات، أو نسحب منه مهام عن غير حكمة.

تذكر أن التجربة خير برهان…

خطأ الهالة

تجد في الأمثلة السابقة حالات حصلت على تقييم مبدئي إيجابي، بالرغم من أنها تحمل صفات سلبية.
وحالات أخرى تركت انطباعًا سلبيًا للوهلة الأولى، في حين أنها أفضل بكثير مما تبدو عليه.

إذن، فلم تكن دائمًا الانطباعات الأولى تدوم!

لا يتوقف الأمر عند مجرد الصورة الذهنية للشخص؛ ولكن تترتب على خطأ الهالة نتائج غير مقبولة بالنسبة للشخص الذي حكمنا عليه بواسطة تأثير الهالة.

نجد أن بعض الأشخاص مكلفين بأعمال لا توافق إمكاناتهم وعقليتهم، وبذلك يكون الرجل المناسب في المكان غير المناسب.

لا يرتبط الذكاء بملامح وجه معينة، كما لا يرتبط الغباء بملامح أخرى…

تطبيقات على نظرية تأثير الهالة

هناك من تطبيقات هذه النظرية ما يؤثر في قرارات الجميع بشكل كبير، ولكن تهمنا بعض التأثيرات التي تؤثر في حياة الإنسان أو ماله أو فرصه في العمل. نذكر منها:

مجال التسويق

يعتمد المسوِّقون المحترفون على نظرية تأثير الهالة والانطباع الأول في استفزاز الشهوة الاستهلاكية لدى بعض الناس.

فهم يعرضون المنتجات بطريقة غاية في الروعة والألوان الجذابة، وكذلك يربطون المنتج بالشعور بالسعادة أو الفرحة.

وبذلك سيطغى شعور السعادة هذا بشكل إيجابي على باقي صفات المنتج. لذا، فإن المستهلك سيتوقع أن يكون هذا
المنتج رائعًا في جميع خصائصه.

أثر الهالة في التعليم

إنه تأثير غير منطقي ولا يخضع لتحكيم العقل، وأكثر مَنْ عاناه هو طلبة الكليات العملية في أوقات الاختبارات الشفهية.

شاهد معي هذا المشهد…

يدخل الطالب ذو الشعر الثائر والملابس غير المهندَمة للأستاذ الجامعي الذي يحدث نفسه قائلًا: “إنه يبدو مجتهدًا وعبقريًا”، وحتمًا سيكون متعاونًا ومتفهمًا لزلَّات الطالب، وقد يتسامح معه في بعض الأخطاء.

يدخل نفس هذا الطالب لأستاذ آخر، فيقول في نفسه: “كيف يجرؤ هذا الطالب على الحضور بهذا المنظر! إنه طالب فاشل ومستفز”. وفي هذه الحالة، ستتأثر درجات الطالب بانطباع الأستاذ عنه.

ليس هذا مشهدًا تخيليًا؛ بل أُجرِيَت دراسة فعلًا على أكثر من 4500 طالب وطالبة.

أُعطِيَت صور هؤلاء الطلاب إلى مجموعة من 28 شخص، وطُلِب من هؤلاء الأشخاص تقييم صور الطلاب فقط
دون رؤيتهم. ومن ثَمَّ، تقسيمهم لمجموعات على حسب ملامحهم وهيئتهم، وكذلك توقُّع الأشخاص لأداء الطلاب.

أخضعوا الطلاب لاختبارين: أحدهما شفوي، والآخر إلكتروني. لاحظ الباحثون حصول الطلبة الأكثر جاذبية على
درجات أقل في الاختبارات الإلكترونية عن الاختبارات الاعتيادية والشفوية، رغم أنه كان من المتوقع أن يحصلوا
على الدرجات الأعلى تطبيقًا لنظرية تأثير الهالة.

مجال الطب

يتسبب تأثيرُ الهالة في التشخيص الخطأ في البداية لبعض الحالات. ولذلك فإن لم يكن الطبيب ذا خبرة، فسيتأخر التشخيص السليم.

بعض الأطباء يظنون أن أي فتاة مراهقة تعاني صعوبة في التنفس تشكو -بالضرورة- من الضغط العصبي فقط. وأن أعراض الفتى المراهق ذي التصفيف الغريب للشعر هي أعراض الإدمان. وأن الرجل ذو لون الوجه الأحمر هو في صحة جيدة وكذلك سعيد.

تخيل أن: الفتاة كانت تعاني حساسية الصدر، والفتى يعاني تسممًا غذائيًا، والرجل تعرض للتسمم بغاز أول أوكسيد الكربون!

كيف نتجنب سوء الأحكام المعتمدة على تأثير نظرية الهالة؟

يجب أن نمهل أنفسنا وقتًا كافيًا للبحث في الأمر أو القرار الذي نحن بصدده. وينبغي دراسته من كافة الأوجه لنتيقن من اتخاذنا قرارًا عقلانيًا وليس اندفاعيًا.

الانحياز التأكيدي

هو الميل لتصديق ما يتوافق مع الأفكار والمعتقدات الشخصية للفرد، بمعنى أن يفسر الشخص تصرفات الآخر بما يتوافق مع فكرته المسبقة عنه.

مثال: ينادي الشخص على زميله بالعمل فلا يرد عليه، لذلك يظن الأول أن الثاني يتعمد تجاهله نظرًا لعدم التوافق الكامل بينهما.

إنه بذلك يتجاهل نصيحة الرسول -عليه الصلاة والسلام- بالتماس العذر لأخيه، بل يفسر عدم رد زميله عليه بالضجر منه!

وبذلك، يجعل الانحياز التأكيدي تفسير الشخص لمواقف الآخرين مفتقرًا إلى الموضوعية.

يصيب الانحياز التأكيدي بعض الشخصيات العصابية، ومَنْ لديهم انعدام في الثقة بالنفس، حيث يميل هؤلاء للبحث عن علامات احتقار الناس لهم أو تجاهلهم إياهم، حتى وإن اضطروا إلى سوء الظن أو تحميل الأمور أكثر مما تستحق.

يتسبب الانحياز التأكيدي في خداع النفس أحيانًا عن طريق التفاؤل الكاذب، هل تعلم كيف؟

يُقنِع الشخص نفسه بأنه يستطيع التوقف عن التدخين وقتما شاء، مما يجعله يتأخر في الإقلاع عن التدخين.
ويظن الشخص أنه قادر على النجاح في أي مشروع دون العودة إلى آراء المختصين.

يحدث خداع النفس هذا بسبب انحياز الشخص لقراراته وأفكاره، دون الالتزام بالتفكير الموضوعي والعملي.

تأثير القرن (Horn effect)

إن تأثير القرن قريب جدًا من نظرية تأثير الهالة، حيث يعني تأثير القرن فرض احتمالات وتكهنات سلبية حول
الأشخاص، دون الحصول على المعلومات الكافية عن الموقف كليًّا. 

تأثير القرن (Horn effect)

كيفية تجنُّب تأثير القرن

لتأثير القرن وتأثير الهالة دور في المقابلات الشخصية للوظائف، وللأسف يكون تأثيرًا سلبيًا في بعض الأحوال.

إن مَنْ يعمل بالموارد البشرية لا بُدَّ له من الانتباه لهذه التأثيرات، لأن أول خطوات الحل هو التعريف بالمشكلة.

تأتي الخطوة التالية في صورة التفكير الموضوعي والتخلي عن الانطباع الأول. لا بُدَّ من إخضاع المتقدم للوظيفة لاختبارات تقييم المهارات المطلوبة للوظيفة التي تقدم لها، أو مراجعة شهاداته وخبراته قبل الحكم على الشخص.

المصدر
Why the Halo Effect Influences How We Perceive OthersWhat Is Confirmation Bias?What is the Horn Effect?
اظهر المزيد

د. أسماء أبو بكر

طبيبة بشرية أتوق دائما لتعلم الجديد، ولنقل العلم مع تبسيطه للجميع. أحرص على الوصول للمعلومة من أدق المصادر، ومن ثم أصيغها للقارئ والمتعلم بأسلوب علمي مبسط. أمتلك موهبة السرد المنظم الشامل. صقل عملي في التدريس الجامعي هذه الموهبة، لأضع بين القارئ علما موثوقا فيه يسير الفهم. أكتب من أجل إتاحة المعلومة الطبية الموثقة للجميع. أكتب لأنني أهوى الشرح والتفسير. أكتب لأنني أشعر بالإنجاز والسعادة مع كل مقطع أنتهي منه. أكتب لنشر العلم ودحر الجهل. أكتب صدقة عن نفسي وعلمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق