ترياق الأمراض النفسية

هل العلاج الواقعي حل للمشكلات النفسية؟

رجع من عند الطبيب وهو في حالة من الإنكار والذهول: «هل أنا السبب يا رب؟! هل يعقل؟!» 

عانى (أحمد) مشكلات نفسية مزمنة، وقصد أكثر من طبيب، حتى كاد أن يفقد الأمل. 

أحد أصدقائه رشح له طبيبًا قائلًا له بأنه يستخدم طريقة “العلاج بالواقع”، فذهب إليه (أحمد) متوجسًا… 

ظن (أحمد) أن الطبيب سيصف له دواء آخر، وأنه سيدخل حلقة مفرغة من علاج لا ينتهي بالشفاء… 

ولكنه لم يتوقع ما سمعه من الطبيب! 

في هذا المقال، سنكتشف معًا الأفكار الكامنة وراء العلاج بالواقع، إضافة إلى تقنياته وفوائده وآراء العلماء فيه.

ما العلاج الواقعي؟

يعد العلاج الواقعي شكلًا من أشكال الإرشاد، الذي ينظر إلى السلوكيات على أنها اختيارات. 

من منظور هذا النوع من العلاج، الأعراض النفسية لا تحدث بسبب المرض العقلي، ولكن بسبب اختيارات الأشخاص لتصرفاتهم بطريقة غير مسؤولة بقصد تلبية احتياجاتهم.

هدف المعالج بالواقع هو مساعدة الناس على تحمل مسؤولية هذه القرارات واختيار اختيارات أفضل.

طور الدكتور (ويليام جلاسر) هذه الطريقة عام 1965، واستخدمها في مستشفيات الأمراض العقلية والسجون. 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

كتب الدكتور (جلاسر) الكثير من الكتب حول هذا الموضوع، ولا يزال “معهد ويليام جلاسر” يعلم أساليبه العلاجية حتى اليوم.

يُمارس العلاج الواقعي في العديد من البلدان، على الرغم من عدم وجود الكثير من الأبحاث حول حقيقة فاعليته. 

لكن أعضاء المجتمع الطبي النفسي وجهوا له انتقادات شديدة، لأنه يرفض مفهوم “المرض العقلي”.

العلاج الواقعي ونظرية الاختيار

يعتمد العلاج الواقعي على “نظرية الاختيار”، التي ابتكرها الدكتور (جلاسر) أيضًا.

تنص “نظرية الاختيار” على أن لدى البشر خمسة احتياجات أساسية، هي:

  • غريزة البقاء.
  • الحب والانتماء.
  • القوة (أو الإنجاز).
  • الحرية (أو الاستقلال).
  • الترفيه (أو المتعة).

تنص النظرية على أن حاجتنا الأساسية للحب والانتماء تفسر سبب ارتباط الضائقة العقلية بالعلاقات.

إذ ترى هذه النظرية أننا نختار سلوكنا تلبية لاحتياجات غير ملباة، وأن سلوكنا تحدده قوى داخلية. 

أما إذا تأثر سلوكنا بعوامل خارجية -مثل الأشخاص أو المواقف-؛ فسيؤدي ذلك إلى مشكلات نفسية.

مبادئ العلاج الواقعي

يطبق العلاج الواقعي المبادئ الأساسية لنظرية الاختيار، ويهدف إلى مساعدتك على تعرف حقيقة اختياراتك واختيار سلوكيات أكثر فاعلية. 

تشمل المفاهيم الأساسية للعلاج الواقعي:

١. السلوكيات

تصنف إلى: 

  • سلوكيات منظمة (أي: سلوكيات سابقة  أنشأتَها لتلبية احتياجاتك).
  • سلوكيات معاد تنظيمها. 

سيساعدك المعالج على التعرف إلى أي سلوكيات منظمة غير فعالة. 

من وجهة نظر هذا العلاج: 

تقديم السلوكيات كخيارات سيشعرك بمزيد من التحكم في حياتك وأفعالك.

وتحديد السلوكيات غير الفعالة، يليه تغييرها إلى سلوكيات أكثر فاعلية أو صنع سلوكيات جديدة تمامًا، وهذا هو معنى “السلوكيات المعاد تنظيمها”.

٢. المراقبة

تقترح نظرية الاختيار أن الشخص هو المتحكم بنفسه، وأن إحداث التغيير عن طريق التحكم في العوامل الخارجية فكرة غير فعالة.

يظهر هذا المفهوم في علاج الواقع، الذي ينص على أن الخيارات السلوكية تحددها الرقابة الداخلية. 

يتمحور دور المرشد في العلاج بالواقع على زيادة وعيك بهذه الخيارات التي يمكن التحكم فيها.

٣. المسؤولية

ترتبط “السيطرة” ارتباطًا وثيقًا بـ”المسؤولية” في “العلاج بالواقع”. 

يحاول الناس تلبية احتياجاتهم بطريقة غير مسؤولة عندما يتخذون خيارات سيئة، وفقًا لدكتور (جلاسر). 

يهدف العلاج الواقعي إلى زيادة قدرتك على تحمل المسؤولية تجاه سلوكك، بناءً على هذه الفكرة.

٤. الفعل

أفعالك جزء من سلوكك العام وأنت المسيطر عليها.

تتضمن الطريقة تقييم أفعالك الحالية ومدى نجاحها في تلبية احتياجاتك، والتخطيط لإجراءات جديدة تلبي تلك الاحتياجات.

٥. اللحظة الحالية

ينص العلاج الواقعي على أن السلوك والأفعال الحالية لا تتأثر بالماضي، وإنما تُحدد من خلال الاحتياجات الحالية غير الملباة. 

يستخدم العلاج الواقعي نهج “هنا والآن” من أجل المسؤولية والعمل.

فنيات العلاج الواقعي

يستخدم متخصصو العلاج الواقعي عملية تتكون من ثماني خطوات لمساعدة الأشخاص الذين يحتاجون هذا النوع من العلاج، وهذه الخطوات هي:

  1.  بناء علاقة جيدة.
  2.  فحص السلوك الحالي.
  3.  تقييم السلوك من حيث فائدته.
  4.  البحث عن بدائل عن طريق العصف الذهني.
  5.  الالتزام بتجربة البدائل المختارة.
  6.  تفحص فاعلية هذا الالتزام في وقت لاحق دون عقاب أو أعذار.
  7.  تقبل العواقب المنطقية والطبيعية للسلوك.
  8.  تجنب تثبيط العزيمة.

متى يستخدم العلاج بالواقع؟

يمكن تطبيقه في الاستشارات الفردية والأسرية، وقد أثبتت الدراسات فاعليته في علاج الإدمان والمشكلات السلوكية الأخرى. 

يكون مفيدًا أيضًا مع من يشغلون مناصب قيادية في التعليم والتدريب والإدارة، نظرًا لاحتياجهم إليه في: 

  • حل المشكلات.
  • غرس الدافع والتركيز على الإنجاز.
  • التواصل الفعال مع الآخرين.

دور العلاج الواقعي في الخدمة الاجتماعية

  • في التعليم، يمكن استخدامه لوضع خطة إدارة الفصول بالمدرسة؛ فقد ثبت أن العلاج الواقعي فعال في تحسين الإدراك الداخلي والسيطرة لدى طلاب المدارس الإعدادية الذين يعانون  ضعف التحصيل. 
  • اقترحت (سينثيا بالمر ماسون) و(جيل دوبا) -الأستاذتان في جامعة كنتاكي الغربية- تطبيق تقنيات العلاج الواقعي في برامج الإرشاد المدرسي، إذ رأتا أنه سيساعد مستشاري المدرسة على تطوير علاقات علاجية إيجابية وتحسين احترام الطلاب لأنفسهم.
  • ثبت أيضًا أنه فعال في تحسين مفهوم “الذات” لدى طلاب المدارس الابتدائية. 
  • وقد طُبق كذلك في مجالات أخرى، مثل: التدريب الرياضي، والسمنة لدى الأطفال، واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). 
  • يستخدم المدربون الناجحون بعض جوانب العلاج الواقعي للتدرب على بناء علاقات تربوية جيدة، وبيئة تعليمية صحية، وتحقيق الأهداف التربوية والتعليمية.

وختامًا…

ينظر العلاج الواقعي إلى السلوك كخيار، ويعتمد على تحمل مسؤولية هذه الاختيارات واختيار إجراءات أكثر فاعلية؛ مما قد يحسن الأعراض النفسية والعقلية.

ولكن، نظرًا لنهجه غير التقليدي؛ فقد واجه العلاج الواقعي الكثير من الانتقادات.

فإذا كنت مهتمًا بهذا النوع من العلاج؛ فتأكد من العمل مع معالج محترف ذي خبرة كافية بهذا النمط من العلاج.

بقلم/ فاطمة عاطف 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى