مفاهيم ومدارك

هل من الضروري علاج التنمر الإلكتروني ؟

“أنت سمينة وغبية”… 

رسالة وصلتها على بريدها الإلكتروني!

ليست هي المرة الأولى التي تتلقى فيها مثل هذه الرسالة!

وكعهدها دومًا، تغلق غرفتها عليها، وتنهمر حمم الدموع من عينيها حارقة وجنتيها؛ آملة أن تطفئ بركان وجدانها…

على الرغم من اعتيادها على تدفق مثل تلك الرسائل إلى هاتفها المحمول وبريدها الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي الخاصة بها، إلا أنها كانت تتجرع مرارة الألم مع كل رسالة منها كما لو كانت أول رسالة!

لا تعلم لمن تشتكي، ومن أين تحصل على علاج التنمر الإلكتروني الذي تتعرض له.

لم تعد تدري عدد المرات التي فكرت فيها في إنهاء حياتها ذات الثلاث عشرة سنة! 

ولا كم من الوقت ستصمد قبل تنفيذ ما تفكر به!

“إنهاء حياتها؟!… أنت تبالغين!” 

هل جال هذا بخاطرك؟! 

قارئنا العزيز، درس الباحثون الرابط بين إنهاء بعض المراهقين والأطفال حياتهم والتنمر الإلكتروني. 

هل تجد صعوبة في تقبل الفكرة؟

تابع القراءة، واحكم بنفسك. 

التنمر وخطورته؟ 

عندما يتصرف شخص أو مجموعة من الأشخاص بعنف وبشكل متعمد ومتكرر تجاه ضحية، بهدف إيذائها جسديًّا أو لفظيًّا بكلمات جارحة، فهذا هو التنمر.

قد تكون الضحية عاجزة عن حماية نفسها، بل وربما لم يصدر منها ما يسبب التنمر.

يتعرض الأطفال والمراهقون على وجه الخصوص للتنمر بأشكاله المتعددة: 

فقد يكون التنمر جسديًّا مثل الضرب أو التحرش الجنسي، أو لفظيًّا مثل الاستهزاء وإطلاق الأسماء المسيئة سواء كان بشكل مباشر أو إلكتروني. 

ويعد النبذ الاجتماعي من أشكال التنمر غير المباشر.

يتسبب التنمر في إحساس الضحية بنقص في تقدير الذات، وارتفاع معدلات الاكتئاب، والقلق، والشعور بالوحدة، وقد يصل بالبعض إلى الانتحار.  

دعنا الآن نسلط الضوء أكثر على التنمر الإلكتروني، كونه ظاهرة جديدة ومتزايدة في عصرنا التكنولوجي الحالي.

أنواع التنمر الإلكتروني 

أنواع التنمر الإلكتروني

انتشر التنمر الإلكتروني حديثًا؛ بسبب انتشار وسائل التقنية الحديثة، مثل الحواسيب والهواتف النقالة وغيرها، إضافة إلى ارتفاع عدد مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها، وخاصة من الأطفال والمراهقين.

يعد التنمر الإلكتروني نوعًا من التنمر الذي يحدث دون مواجهة الضحية بصورة مباشرة، وتنوعت أشكاله لتشمل:

  • الرسائل النصية عبر الهاتف الجوال.
  • رسائل البريد الإلكتروني.
  • رسائل منصات التواصل الاجتماعي.

تتضمن الرسائل كلمات مؤذية ومسيئة، أو تهديدات بالعنف الجسدي، أو إشاعات جنسية أو شخصية، أو صور محرجة للضحية.

قد يصل الأمر إلى اختراق البريد الإلكتروني للضحية وسرقة هويتها الرقمية؛ لفضحها وإذلالها، وقد ينشئ بعض المتنمرين مواقع أو صفحات إلكترونية لاستهداف الضحية. 

وتكمن خطورة التنمر الإلكتروني في سهولته وسرعة انتشاره؛ فبمجرد ضغطة زر ينتشر الخبر سريعًا. 

وكذلك يستمد هذا النوع من التنمر خطورته من إمكانية عدم وجود دليل عليه؛ فبعض المتنمرين يستطيعون إخفاء هوياتهم الرقمية وتتعدد حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي فلا يسهل الوصول إليهم.

تأثير التنمر الإلكتروني؟

يختلف تأثير التنمر الإلكتروني في الضحايا حسب شخصياتهم، فيتسبب في وقوع بعضهم تحت ضغوط شديدة لعدة أسباب، منها:

  •  حرمانهم من الشعور بالأمان حتى في منازلهم: 

إذ يحدث التنمر الإلكتروني في أي وقت وفي أي مكان، فقد تتلقى الضحية تلك الرسائل في منزلها، فتشعر بالتهديد المستمر حتى وهي بين عائلتها.

  • الإحساس المستمر بالاستهداف من الجميع والشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية. 
  • يتمادى المتنمرون في تنمرهم؛ بسبب قدرتهم على إخفاء هوياتهم وعدم استطاعتهم رؤية رد فعل الضحية، فيصلون إلى حدود تفوق حدود التنمر الواقعي البعيد عن وسائل التواصل الاجتماعي.
  • ينتشر بسرعة كبيرة في وقت قصير: 

تتداول الرسائل الإلكترونية على جميع منصات التواصل الاجتماعي بضغطة زر، ويكون الجميع قادرين على الرد والمشاركة ورؤية التعليقات المسيئة، مما يجعل الضحية مستهدفة بعدد كبير من المتنمرين في وقت قصير.

 قد تتساءل عزيزي القارئ، لماذا يقدم المتنمرون على فعلتهم تلك؟

ما أسباب التنمر الإلكتروني؟

أسباب التنمر الإلكتروني

يكثر التعرض للتنمر بسبب “الاختلاف”. 

قد يكون اختلافك عنهم في الأفكار أو التصرفات، أو العِرق، أو الدين، أو أسلوب حياتك أو في طريقة ارتداء ملابسك أو حتى عندما تكون وافدًا جديدًا على المدرسة أو الحي، وسيلة لتميزك وبالتالي لجعلك هدفًا سهلًا لتنمرهم.

لا تدعنا نلقي باللوم على الضحية فقط، فإن بعض أسباب التنمر الإلكتروني تتعلق بالمتنمر نفسه:

  • يمنحه التنمر إحساسًا زائفًا بالقوة والصلابة.
  • يشعر المتنمر بالغيرة من الضحية.
  • يحاول المتنمر لفت الانتباه لنفسه أو الحصول على الشهرة بين أقرانه.
  • يهرب بالتنمر من مشاكله الخاصة في منزله.
  • كان ضحية للتنمر في الماضي.

دعنا نتطرق الآن إلى طرق علاج التنمر الإلكتروني وكيفية الوقاية من آثاره الضارة.

مسؤولية علاج التنمر الإلكتروني على عاتق من تقع؟

المسؤولية مشتركة بين الوالدين في المنزل وبين المدرسة بإدارتها وطاقم التدريس والاختصاصيين الاجتماعيين فيها؛ من أجل حماية الأبناء وعلاج التنمر الإلكتروني.

يثمر التعاون بين الطرفين وبمساعدة مبادرات حكومية وخاصة في توعية الأطفال والمراهقين بحقيقة التنمر الإلكتروني وكيفية التعامل معه.

“لا تكن الضحية”

أهم مبدأ في تجنب الوقوع في فخ التنمر الإلكتروني، ويتضمن عدة نصائح منها:

  • راقب الوقت الذي تمضيه على وسائل التواصل الاجتماعي:

اقضِ وقتًا أقل في استخدام منصات التواصل الاجتماعي ومطالعة الرسائل والبريد الإلكتروني.

  • تفاعل مع من تعرفهم في محيطك الواقعي، ومارس أنشطة اجتماعية. 

إن شغل الوقت بأنشطة مفيدة يجلب لك السعادة ويساعدك على التخلص من الوحدة وتقليل الشعور بالاكتئاب والتوتر، ويبعدك عن المتنمرين.

  • اطلب دعم البالغين من حولك، ولا تخجل من الاعتراف بتعرضك للتنمر أيًّا كان شكله. 
  • لا تتفاعل مع رسائل المتنمرين مهما كانت الكلمات جارحة أو الإشاعات غير صحيحة. 

تكمن سعادة المتنمر في ردك عليه فلا تمنحه تلك اللذة، وقد يدفعه ردك إلى المزيد من التنمر.

  • لا تسعَ للانتقام؛ إذ قد يجعل موقفك أسوأ، وقد تتحول بسببه إلى متنمر دون أن تقصد، مما يعرضك للمساءلة القانونية.
  • احتفظ بالدليل على التنمر الإلكتروني بتصوير الصفحة أو الرسالة وبادر بإبلاغ والديك أو اطلب المشورة من معلمك المفضل أو شخص بالغ حكيم تثق به. 

صمتك عن تعرضك للتنمر قد يجعل الوضع أسوأ.

  • يمكنك إبلاغ الجهة المختصة (مباحث الإنترنت) عن الابتزاز الذي تعرضت له -سواء كان تهديدًا بالإيذاء الجسدي أو رسائل ذات مغزى جنسي)، فحل التنمر تفعيل القانون.
  • امنع التواصل مع المتنمر: احظر بريده الإلكتروني ورقم هاتفه وحسابه على منصات التواصل الاجتماعي، وبادر بالإبلاغ عن أي صفحات أو مواقع مسيئة أنشئت لاستهدافك.

الآباء و علاج التنمر الإلكتروني

  • يخجل الطفل أو المراهق من الإبلاغ عن تعرضه لتنمر إلكتروني، خوفًا أيضًا من فقدان هاتفه النقال أو الحاسوب الخاص به؛ فلا تعاقبه بذلك. 
  • يستمر الضحية في التفاعل مع المتنمر دون وعي منه؛ اعرف من يتواصل مع أبنائك عبر الواقع الافتراضي.
  • يضع بعض الضحايا صورًا محرجة لهم على منصات التواصل الاجتماعي ويشاركون معلوماتهم الشخصية فيستغلها المتنمرون؛ ناقش أبناءك بشأن ما ينشرونه.
  • استعمل البرامج التي تتيح لك التحكم في استخدام أبنائك لهواتفهم النقالة.

السؤال الآن: 

هل من الضروري علاج التنمر الإلكتروني أم أنها رفاهية؟

قد يلاحظ الآباء والمعلمون بعض التغيرات على الأبناء أو التلاميذ، ويكون ذلك مؤشرًا لمعرفة وقوعهم في فخ التنمر، ومن هذه التغيرات:

  •  يبدأون بالانسحاب من نطاق العائلة والأصدقاء أو أي نشاط جماعي كانوا يمارسونه سابقًا.
  •  ينعكس أيضًا على حالتهم الذهنية فيصبحون متوترين وقلقين، ويتصرفون بطريقة غاضبة أو حزينة بعد مطالعتهم لرسائل التنمر. 
  • ينحدر مستواهم الدراسي، وقد يرفضون الذهاب للمدرسة.
  • يتأثر نومهم، ويقل نشاطهم البدني بشكل ملحوظ.

كما لاحظت -قارئنا العزيز- تأثير التنمر الإلكتروني السلبي في الصحة النفسية للأطفال والمراهقين بل والكبار أيضًا، ومدى انعكاس ذلك على حياتهم. 

الآن، القرار لك: هل ترى علاج التنمر الإلكتروني ضرورة أم رفاهية؟

بقلم د/ شيماء عادل

المصدر
What Is Cyberbullying?
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق