ترياق الأمراض النفسية

هوس الحرائق – pyromania

ماذا لو نشب حريقٌ هائل في هذا المبنى؟!

تلتهم النيرانُ طابقًا تلو الطابق بلا رحمة! 

ينظر الناس في ذعرٍ ويهرعون في كل اتجاه فرارًا من الدخان واللهب!

مهلًا، كيف أفكر هكذا؟! هذا أمر شديد الخطورة؛ يمكن أن يتسبب في كوارث للآخرين!

حسنا، ماذا لو كان المبنى فارغًا من الناس، أو أسرع الجميع بالهروب من المبنى بعد أن دُق إنذار الحرائق؟! 

لن يكون الأمر شديد الخطورة حينئذ، أستطيع وقتها النظر مطولًا إلى الشرر المتطاير يَمنة ويَسرة وإلى تدرج الألوان وسِحر اللهب!

أي نشوة أجد في انتصار الوقود والغاز على البشرية!

أتمنى لو كنت رجل إطفاء الحرائق أو كنت أنا من يشعلها!

أعلم أنه أشبه بالجرائم، لكنني حقًا لا أستطيع مقاومة رغبتي في إشعال النار والانبهار بقوتها!

قد تتساءل يا صديقي: هل هناك ما يسمى بـ “هوس الحرائق” حقًّا؟ 

وما الحكم على صاحبه آنذاك؟ هل هو مجرم يستحق العقوبة أم مريض يحتاج إلى علاج؟!

في هذا المقال، سنخوض معًا في رحلة حول اضطراب نفسي فريد يُعرف بـ “مرض هوس إشعال الحرائق” أو ال Pyromania.

ما هو مرض هوس إشعال الحرائق؟

يندرج مرض هوس الحرائق -أو المعروف علميا باسم pyromania- ضمن سلسلة من الاضطرابات النفسية توصف باضطرابات السيطرة على الاندفاع.

ويجد أصحاب هذا المرض صعوبة بالغة في السيطرة على مشاعرهم وسلوكهم، إذ يتسمون باندفاعهم لإشعال النيران وانبهارهم الشديد بها.

وبينما يتعمد المصابون نشب الحرائق في الأوساط المختلفة؛ إلا إنهم لا يبتغون مقاصد تخريبية أو مصالح معينة من وراء ذلك، بل يكون بمنزلة تفريغ للضغوط الداخلية ووسيلة للتخلص من المشاعر السلبية وتنفيث عن المواقف المزعجة.

كذلك لا تكون هذه الأفعال ناجمة عن أوهام أو هلوسة تصيب أصحابها، ولا تكون نتيجة عجز أو قصور في اتخاذ القرار -كما في حالات الإعاقة الذهنية على سبيل المثال-.

أعراض هوس الحرائق

يتسم المصابون بمرض هوس الحرائق بنوبات متكررة من الرغبة في إشعال النار –كل 6 أسابيع في المتوسط-، والتي تكون مصحوبة بالتوتر والإثارة العاطفية.

وغالبا ما تبدأ الأعراض بالظهور في أثناء البلوغ وتستمر حتى بعد البلوغ.

أما عن الأعراض والسمات الأخرى للمصابين بهذا الاضطراب، فتشمل ما يلي:

  • الاهتمام الزائد والفضول والإثارة بالأمور المتعلقة بـالنار وكيفية إشعالها.
  • مشاهدة النيران لفترات طويلة، سواء على شاشات التلفاز والحاسوب أو في مواقع اندلاعها على أرض الواقع.
  • الاطلاع المستمر حول الأجهزة والأدوات المستخدمة في إطفاء الحرائق، وإنشاء دائرة أصدقاء ممن يعملون في مثل هذه المجالات، كرجال إطفاء الحرائق وعمال مصانع أجهزة إطفاء الحريق.
  • المحاولات المتعددة لإشعال النار، والافتتان بها. 
  • الشعور بالسعادة والراحة بعد إشعال النار وأثناء مشاهدة الحرائق.
هوس الحرائق

الفرق بين هوس الحرائق وجرائم إشعال النار عمدًا 

وعلى الرغم من خطورة كِلتَا الحالتين، فإن هناك فرقا جوهريا بين سمات ودوافع منفذي كلٍ من العمليتين.

إذ يعمد المصاب بمرض هوس الحرائق إلى إشعال النار في أي وقت وفي أي مكان، كأن يقوم بإشعال قطعة من الورق الصغيرة أو إشعال الأقمشة أو إشعال النار في غرفة على سبيل المثال.

فالقصد الأساسي من جراء هذا الفعل هو الاستمتاع باندلاع النيران وتوهجها والتخلص من الضغوط والمشاعر المزعجة، ومشاهدة الذعر والهلع في عيون الآخرين.

بينما يتعمد مرتكبو الجرائم إشعال منزل ما أو مبنى بعينه؛ للحصول على مصلحة من وراء ذلك، كالحصول على مبالغ التأمين أو تغطية جريمة أخرى أو إخفاء معلومات وأوراق بالمبنى المحترق.

فهوس الحرائق هو حالة نفسية بينما الحرق العمد هو عمل إجرامي.

وأحيانا ما يشعر أصحاب هذا الاضطراب بالإحباط والذنب بعد ارتكاب جريمة إشعال النار، خاصة إذا كانوا يحاولون دفع هذه الرغبة ومقاومتها بشكل مستمر.

ونحن بالطبع -يا صديقي- لا نبرر هنا لأي منهما جرأته على ارتكاب مثل هذه الجرائم والتسبب في نشوب الكوارث والفوضى والأضرار العامة؛ إذ تجب مواجهة أي منهما بإثمه وبالعقاب المناسب، لكننا فقط نحاول في هذا المقال رسم المشهد كاملًا حتى يتبين الفرق بين دوافع منفذي مثل هذه الكوارث وصفاتهم.

الأسباب

تعد الأسباب الرئيسية وراء هوس الحرائق غير مؤكدة أو معروفة بالتحديد -كما في أغلب الاضطرابات النفسية-، إذ يرجع الأمر إلى اجتماع العديد من العوامل والمؤثرات، مثل: العوامل الجينية والبيئية.

فلا يوجد سبب فردي معروف يقود إلى مثل هذا الاضطراب. كذلك فإن عدد المصابين بمرض هوس إشعال الحرائق قليل جدا، ويقدِّر الباحثون أنهم لا يمثلون إلا نسبة صغيرة جدا -ما يقرب من 3.3- من إجمالي الذين أظهروا سلوكا متكررا لإشعال النار.

وبالعودة التفصيلية إلى العوامل الجينية والبيئية؛ فهؤلاء الأشخاص هم الأكثر عرضة للإصابة بالمرض:

  • الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية أخرى هم الأكثر عرضة للإصابة باضطراب هوس الحرائق.

مثل: الأشخاص الذين يعانون الاضطراب الوجداني ثنائي القطب، أو اضطراب القمار، أو اضطراب تعاطي المواد المخدرة، أو اضطراب الشخصية الانطوائية.

  • ويعد الرجال أكثر عرضة للإصابة بهذا المرض من النساء، كما أنه يمكن أن يصيب الكبار أو الصغار في السن.
  • كذلك فإن هذا الاضطراب كثير الشيوع في الأشخاص الذين يعانون صعوبات في التعليم أو الأشخاص الذين يفتقرون إلى المهارات الاجتماعية المختلفة كمهارات التواصل والتعبير عن الرأي.
  • الأشخاص الذين تعرضوا لإيذاء جسدي أو جنسي عنيف، والأشخاص الذين عانوا عنفا أسريا أو هجر الوالدين؛ هم أيضا في مقدمة المرَشحين المحتملين للإصابة بالمرض.
  • ويميل الأفراد الذين لديهم تاريخ من التخريب أو ارتكاب الجرائم كذلك إلى إظهار المزيد من اتجاهات إشعال النار.

علاج هوس الحرائق

وبعد أن ذكرنا خطورة المرض، وأنه قد يؤثر سلبا على صاحبه ويدفعه لارتكاب العديد من الجرائم والأعمال
التخريبية، فإن العلاج الفوري والعاجل لصاحبه إذا بدت عليه أحد الأعراض أمر ضروري.

في النقاط التالية، سنقوم بعرض بعض الوسائل المتبعة لعلاج مرضى هوس الحرائق والسيطرة عليهم:

  • العلاج السلوكي المعرفي؛ وهو نوع شائع من العلاج بالكلام، يستخدمه الطبيب النفسي لمساعدة المرضى على إدارك التفكير غير الصحيح أو السلبي، حتى يتمكنوا من عرض أفكارهم ومشاكلهم الصعبة بطريقة واضحة خالية من العنف، ويستجيبوا لها بشكل إيجابي وفعال.
  • توعية المريض والتحدث معه حول الأضرار التي يمكن أن تُحدثها النيران، والفقد والآلام التي قد يعانيها ضحايا الحروق.

وأنه كذلك يستطيع أن يقاوم رغباته ونوباته المتكررة في إشعال النيران عن طريق تعلم المشاركة في خمد النار والعمل مع رجال إطفاء الحرائق.

  • التوعية الأسرية -خاصة للأطفال والمراهقين- حول مخاطر إشعال النيران من تسبب بخسائر وأضرار للآخرين.
  • أما بالنسبة للأطفال الذين تظهر عليهم بوادر الإصابة بمرض هوس الحرائق؛ فإنه من الضروري بدء خطة العلاج ومتابعتهم باستمرار، حيث يمكن أن يتطور معهم هذا الاضطراب ويبقى إلى مرحلة الشباب، وقد لا يستجيبون لمختلف طرق العقاب.
المصدر
PyromaniaPyromania disorder symptoms Pyromania Causes and Treatment Cognitive behavioral therapy
اظهر المزيد

د. رحاب علي

صيدلانية، شغوفة بالعلوم والتفاعلات والعمليات المعقدة التي تجري كل صباح داخل النفس البشرية. نَصفُ أنفسنا ونَجلدُ الآخرين وننصب محاكم التصنيف والتمييز، ولا ندري أننا نتائج، وأن الفاعل الحقيقي مجموعة من الأحماض والبروتينات! "نفسي أجوجل باللغة العربية والاقي نتايج تُحترم!"

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق