ترياق الأمراض النفسية

هوس السرقة | kleptomania

كانت إحدى الليالي التي أجتمع فيها مع الأصدقاء، نلتف حول طاولةٍ مستطيلة نتجاذب أطراف الحديث ونشرع في النميمة.

تسأل أين موقعكِ تحديدًا؟

أنا هناك في الطرف أقصى اليمين. 

نعم، أنا تلك الفتاة المتوترة القلوق التي تنكمش على نفسها وتعبث بحقيبتها.

ماذا تفعلين؟!

أحاول أن أقاوم صوتًا ما داخل عقلي، صوت يعلو كل تلك الضحكات والثرثرات

ثم ماذا؟!

كالعادة ينتصر هذا الصوت، ها أنا ذا أتحين الفرصة لأخذ تلك القلادة الرخيصة من حقيبة صديقتي ووضعها داخل حقيبتي، لكن هل يمر الأمر بسلام؟!

للأسف لا!

لاحظَت إحداهن ما فعلْت، وقررَت مواجهتي على الملأ، وتداخلت الأصوات: 

إنها قلادة رخيصة!

أنتِ لستِ بحاجةٍ إليها!

ماذا دهاكِ؟

فصرخْت فيهن باكيةً: أنا مريضة، أنا أعاني من هوس السرقة، أرجوكم سامحوني! 

في هذا المقال نتحدث عن كل ما يخص هوس السرقة.

هوس السرقة (kleptomania): 

يُعد هوس السرقة أو ما يعرف ب (kleptomania) واحدًا من الأمراض النفسية التي تندرج تحت بند اضطراب التحكم في الاندفاع. 

يُعاني مريض هذا الهوس من رغبةٍ مُلحة لا يستطيع مقاومتها؛ تدفعه إلى سرقة أشياء رخيصة وأحيانًا بلا قيمة. 

ينضم هذا المرض إلى قائمة الأمراض الأوسع انتشارًا بين النساء، ويبدأ ظهوره عادةً في فترة المراهقة.

 كما أنه يعد من الأمراض النفسية النادرة؛ فالإحصائيات تشير إلى أن نسبة الإصابة به لا تتجاوز الواحد بالمئة.

ربما يدور في بالك سؤالٌ مهم يا صديقي، وهو: “كيف يمكن التمييز بين مريض هوس السرقة والسارق العادي؟”، هذا ما سنعرفه في الفقرة التالية.

ما الفرق بين مريض الكلبتومانيا (هوس السرقة) والسارق؟ 

تشير بعض الإحصائيات أن حوالي خمسة وعشرين بالمئة من السارقين يعانون من مرض هوس السرقة، وهي نسبة ليست بهينة؛ لذلك وجبت التفرقة بينهما. 

يختلف مريض الكلبتومانيا عن السارق العادي في عدة نقاط، منها:

  • الدافع: فمريض الكلبتومانيا الدافع الوحيد وراء سرقاته هو التخلص من ضغط الرغبة التي تلح داخل عقله، لا لسد احتياجٍ ما.
  • قيمة المسروقات: عادة تكون مسروقات مريض الهوس عديمة القيمة والمنفعة، على عكس السرقات العادية التي تهدف إلى اقتناص كل ما غلا ثمنه.
  • طريقة السرقة: عادة ما تكون سرقات مريض هوس السرقة عشوائية وبلا أي تخطيط؛ وهذا يفسر أن معظمهم ينكشف أمره ويتعرض للمساءلة القانونية. 
  • المشاعر: هناك ثلاثة مشاعر ملازمة لمريض هوس السرقة، وهي مشاعر الضغط والتوتر قبل السرقة مباشرةً ومشاعر الارتياح بعد لحظة إتمام السرقة ومشاعر جلد الذات وتأنيب الضمير بعد الانتهاء تمامًا. 
هوس السرقة

لكن هل توصل العلم إلى أسباب ظهور الكلبتومانيا؟ لمعرفة إجابة هذا السؤال ننتقل للفقرة التالية.

ما هي أسباب مرض الكلبتومانيا؟

إلى الآن لم يُعرف سبب واضح لمرض هوس السرقة، لكن هناك الكثير من العوامل التي تحفز ظهوره، ومن أهمها: 

  1. وجود خلل في كيمياء المخ، حيث إن نقص بعض النواقل العصبية الكيميائية مثل السيروتونين والدوبامين يحفز ظهور اضطراب التحكم في الاندفاع.
  2. وجود تاريخ مرضي للإصابة بالكلبتومانيا في العائلة.
  3. في حالة معاناة المريض من بعض الأمراض النفسية الأخرى، مثل: الاكتئاب أو القلق أو اضطرابات الأكل أو إدمان الكحول أو المخدرات.
  4. التعرض لحادث أو مرض ما أثر في الفص الأمامي للمخ، والمعتقد أنه المسؤول عن التحكم في الرغبات. 

ويعتقد علماء النفس أن المرض يظهر أحيانًا كنوع من أنواع التعويض النفسي لمشاعر الإهمال التي عانى منها المريض في مرحلة ما في حياته. 

ما هي أعراض هوس السرقة؟ 

هل تذكر تلك القصة التي بدأنا بها هذا المقال؟ يمكننا استخلاص بعض الأعراض منها، مثل:

  • يمكنك ملاحظة مشاعر القلق والتوتر والخوف الناتجة عن محاولة المريض مقاومة رغبته الملحة التي تدور في ذهنه وقت السرقة.
  • الشعور بالارتياح وأحيانًا السعادة فور إتمام السرقة.
  • تخزين تلك المسروقات كتذكار أحيانًا والتخلص منها في أحيانٍ أخرى.
  • الشعور الشديد بالذنب وجلد الذات بعد الانتهاء من السرقة بوقت قصير، والرغبة الشديدة في إرجاع المسروقات لأصحابها.
  • عدم وجود دوافع قوية للسرقة كالانتقام أو الغضب. 

لكن هل يمكن تشخيص مرض هوس السرقة بسهولة؟ هذا ما سنعرفه في الفقرة التالية.

كيف يمكن تشخيص مرض هوس السرقة؟ 

يعتمد تشخيص مرض الكلبتومانيا على محورين رئيسيين، وهما:

التشخيص الجسدي:

وهنا يقوم الطبيب بإجراء بعض الفحوصات الجسدية؛ لاستبعاد الأسباب البيولوجية أو تأكيدها قبل اللجوء إلى العلاج النفسي. 

التشخيص النفسي: 

يطرح الطبيب أو المعالج النفسي المختص بعض الأسئلة الهامة التي من شأنها تأكيد وجود أعراض المرض والكشف عمّا إذا كان المريض يعاني من أمراض نفسية أخرى، مثل: اضطراب الشهية أو إدمان المخدرات أو الكحول أو الوسواس القهري.

كيفية علاج هوس السرقة: 

كشأن معظم الأمراض النفسية، يعتمد علاج هوس السرقة على مزيجٍ من العلاج النفسي والعلاج الدوائي. 

أولًا: العلاج النفسي 

يساعد العلاج النفسي المريض في فهم الأسباب التي تكمن وراء ظهور تلك الرغبات الملحة في السرقة وكيفية التعامل السليم معها.

إليك -عزيزي القارئ- أشهر أنواع جلسات العلاج النفسي المستخدمة في علاج هوس السرقة:

  • العلاج المعرفي السلوكي : 

من أهم أنواع الجلسات المستخدمة في علاج الكلبتومانيا، ويستخدم المعالج النفسي إحدى الطريقتين التاليتين:

  1. إزالة التحسس المنهجية (systematic desensitization): ومن خلالها يدربك الطبيب أو المعالج على تقنيات تساعدك على الاسترخاء والتحكم في الرغبات.
  2. العلاج بالتنفير (covert sensitization).

إن كنت تود معرفة المزيد عن العلاج المعرفي السلوكي اقرأ: كل ما تود معرفته عن العلاج المعرفي السلوكي.

  • العلاج النفسي الديناميكي.
  • العلاج الأسري.
  • علاج تعديل السلوك. 

ثانيًا: العلاج الدوائي 

تلعب بعض مضادات الاكتئاب دورًا مهمًّا في رحلة علاج هوس السرقة، خاصةً تلك التي تندرج تحت مجموعة مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية (SSRIs). تعمل تلك الأدوية على زيادة معدل السيروتونين في المخ وتحسن من المزاج وتساعدك على التخلص من الرغبة الملحة في السرقة. 

لمعرفة المزيد عن مضادات الاكتئاب تابع هذا المقال: مضادات الاكتئاب…. شعلة نور في نفق مظلم.

توجد أيضًا بعض الأدوية التي يُعتقد أن لها مستقبلًا واعدًا في علاج هذا الهوس، منها دواء نالتريكسون (naltrexone) المستخدم في علاج إدمان الكحوليات. 

ومن المهم معرفة أن هوس السرقة من الأمراض النفسية التي لا يمكن الشفاء منها تمامًا، وأن خطر حدوث انتكاسات للمرضى وارد جدًا.

 لذلك نقدم لك بعض النصائح الهامة التي من الممكن أن تساعدك في دعم نفسك أو من تحب من مرضى الكلبتومانيا: 

  • احرص على الالتزام بخطة العلاج المقررة لك من قبل الطبيب، وداوم على تناول الأدوية وحضور الجلسات العلاجية.
  • تعرف إلى مرضك جيدًا، وتعلم كل ما يخصه من أسباب وعوامل محفزة وطرق علاج مختلفة.
  • تعرف إلى نوع المحفزات -سواء كانت مواقف أو مشاعر- التي تؤدي إلى ظهور رغبة السرقة.
  • تعلم الطرق المناسبة للتعامل مع تلك المحفزات.
  • درب نفسك على تفريغ طاقة التوتر والقلق المصاحبة لظهور رغبة السرقة وإعادة توجيهها بشكل صحيح، فيمكنك مثلًا ممارسة الرياضة أو التأمل.

وأخيرًا، في حالة معاودة تلك النوبات وفشلك في السيطرة عليها؛ اتصل بطبيبك المختص فورًا واستشره.

وفي الختام، علينا القول إن هوس السرقة له تأثير خطير ليس فقط في صحة المريض النفسية بل في حياته الاجتماعية أيضًا، وقد يعرضه في نهاية المطاف إلى المساءلة القانونية والسجن.

المصدر
What Is Kleptomania?KleptomaniaStealingKleptomania: Management and Treatment
اظهر المزيد

د. مروة إسماعيل

مروة إسماعيل صبري، طبيبة بيطرية وكاتبة محتوى طبي، مهتمة بالبحث في مختلف العلوم الطبية وتبسيطها وإثراء المحتوى الطبي العربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق