ترياق الأمراض النفسية

هوس الشراء |توقف، فأنت في حاجة إلى طبيب!

الساعة الآن الرابعة عصرًا، منتصف شهر أغسطس، حرارة اليوم تسجل 40 درجة مئوية.

دخلت الزوجة إلى غرفة الجلوس بعد عودة زوجها من العمل، وقالت: “مساء الخير يا زوجي العزيز، أراك بخير والحمد لله، كيف كان يومك؟”.

رمقها الزوج بطرف عينه -وكأنه يعرف ما تُخفِي- وقال:”مساء الخير، كان يومًا شاقًا، ولكن غريب هو سؤالك عن يومي! هل أنت بخير؟ّ”.

قالت: “نعم يا زوجي العزيز، أنا بخير، لكن لي طلب عندك، رأيت إعلانًا في أثناء تصفُّحي (الفيس بوك) لفراء دب معروض للبيع بـ 10 آلاف جنيه، أريد أن…”.

قاطعها الزوج -وقد اتسعت حدقتا عينيه، وبدت عليه ملامح الغضب- وقال بحدة: “هل جُننتِ؟! فراءٌ في فصل الصيف وبهذا الثمن الباهظ؟!

قد أضعتُ مالي كله على مشترياتك التي لا حصر لها ولا تكاد تفيدنا بشيء، لا أجد ما أنفقه عليكِ وعلى أبنائنا بعد الآن من جراء هوس الشراء الذي أصابك، هل تريدينني أن أسرق؟!”.

قالت الزوجة، وقد بدأت عيناها تذرف الدمع: “لا أستطيع مقاومة هذا الشعور بالرغبة في الشراء، أشعر باختناق في داخلي إذا لم أستجب لهذا الشعور، أكاد أنفجر!”.

رد الزوج: “إذن ليس أمامنا إلا خيار واحد، فلنذهب إلى الطبيب النفسي؛ فلا أظن هوس الشراء لديكِ إلا مرضًا نفسيًا، وإلا فليس أمامنا سوى الطلاق!”.

لعله من الغريب معرفة أن الشراء قد يصل إلى مرحلة الإدمان والاضطراب النفسي، ولكن مع الأسف، هذه هي الحقيقة.

هيا بنا -عزيزي القارئ- نتعرف سويًا إلى اضطراب هوس الشراء، وأسبابه، وسمات الشخصية التي تعاني هذا الاضطراب، وطُرُق العلاج الفعالة.

ما هو هوس الشراء؟

هوسُ الشراء -أو كما يُطلَق عليه “أونيومانيا”- هو اضطراب نفسي يسعى فيه المرء إلى شراء السلع بشكل جنوني وبكميات كبيرة دون سبب منطقي، وغالبًا ما يكون بغير حاجة، فقط لإشباع رغبة داخلية مُلِحَّة، أو للهروب من مواجهة بعض المشاعر السلبية.

ويُعَدُّ هوس الشراء والتسوق نوعًا من الإدمان المرضي السلوكي، ويؤدي بالتالي إلى التأثير السلبي في حياة الشخص، سواء على المستوى الأسري أو الوظيفي أو الاقتصادي.

وقد أوضحت دراسة غربية أن 5% فقط من الناس يعانون اضطراب هوس الشراء، ويُصاب الرجال والنساء بهذا الاضطراب على حد سواء، إلا أن هوس الشراء لدى النساء يفوق الرجال بمراحل.

وعلى الرغم من تزايد النزعة الاستهلاكية لدى الناس في الفترة الأخيرة، إلا أن هوس الشراء وإدمان التسوق لا يُعَدُّ اضطرابًا نفسيًا جديدًا؛ فهو يعود إلى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، ووُضِع في قائمة الاضطرابات النفسية في أوائل القرن العشرين.

أسباب اضطراب هوس الشراء

أسباب اضطراب هوس الشراء

ليس هناك سبب معروف حتى الآن لهذه المشكلة، لكن أُجرِيَت العديد من الأبحاث والدراسات لمعرفة أسباب اضطراب هوس الشراء وإدمان التسوق، والدوافع المؤدية إليهما، ونذكر أهم أسبابها فيما يلي:

  • أسباب بيولوجية: ناتجة عن اضطراب مجموعة من النواقل العصبية.
  • أسباب اجتماعية: ومن أمثلتها العيش في وسط مجتمع يدعو إلى الاستهلاك والشراء بشكل مستمر، مما أدى إلى ظهور هذه الحالة المرضية، وكذلك قلة الوعي والمستوى التعليمي.
  • أسباب نفسية ومن أهمها:
  • الحرمان العاطفي والاقتصادي في أثناء الطفولة.
  • عدم القدرة على مواجهة المشاعر السلبية.
  • الاحتياج إلى ملء الفراغ الداخلي.
  • السعي إلى الكمال.
  • السعي إلى الشعور بالإثارة من خلال نَهَمِ الشراء.
  • فقد السيطرة على النفس.
  • أسباب متعلقة بالشخصية: فقد يكون المريض ممَّنْ يميلون إلى التباهي بالشراء، أو بحب إظهار الذات.
  • أسباب مرضية: مثل معاناة الشخص الاكتئاب، أو القلق، أو الوسواس القهري، فيحاول الهرب من هذه المشكلات بالسعي إلى الشراء المفرط.

سمات الشخص الذي يعاني اضطراب هوسِ الشراء

هناك بعض السمات والمشاعر التي تظهر على الشخص المريض باضطراب هوس الشراء وإدمان التسوق، ونذكر منها ما يلي:

  • يهرب من الشعور بالإحباط، أو الضغط النفسي، أو الغضب، أو حتى الخوف عن طريق الشراء القهري والتسوق.
  • يشتري -بنهم شديد- الأشياء التي في الأغلب لا حاجة لها بغير سبب منطقي، حتى لو اضطر إلى استعارة بعض المال من الغير.
  • يشعر بأن عادات الإنفاق خارج السيطرة، وأنها تؤثر بالسلب في علاقاته الأسرية والاجتماعية.
  • لديه مزيج من المشاعر المتضاربة بالسعادة والنشوة في أثناء التسوق، وكذلك القلق.
  • يشعر بالذنب والندم بعد الانتهاء من عملية الشراء والتسوق، خاصةً إذا كان قد قطع وعدًا لنفسه -أو لأحد أفراد أسرته- بعدم العودة لهذا الفعل مرة أخرى.
  • غالبًا ما يكذب على أفراد أسرته وأصدقائه بشأن عادات الشراء القهري وإدمان التسوق التي يعانيها.

الآثار المترتبة على هوسِ الشراء

إن هوس الشراء -كما اتضح لنا- هو اضطراب نفسي وإدمان سلوكي يتسبب في هدر المال واستنزاف الثروات لدى الشخص المريض به، وله آثار بالغة الخطورة إذا لم يتم تدارك الأمر بسرعة.

ومن أشهر الآثار المترتبة على هوس الشراء ما يلي:

  • هدر الأموال، واستنزاف الثروات بغير حاجة.
  • المشكلات الكبيرة على مستوى العمل، والتي قد تؤدي إلى ترك العمل.
  • المشكلات الأُسَرية التي تصل إلى حد الطلاق، لعدم توافر السيولة الكافية من المال للإنفاق.
  • في بعض الحالات قد يضطر الشخص إلى الاستدانة أو السرقة، مما يوقعه في المحظور، وبالتالي التعرض للسجن.
  • الميول إلى الانتحار في بعض الحالات عند الشعور بأن الأرض قد ضاقت عليهم بما رحبت، وأنه لا ملجأ لهم ولا مهرب.
  • التعرض للمشكلات النفسية الكبيرة بسبب الضغط النفسي، وشعور الندم والقلق الذي ينتاب المريض طيلة الوقت.

علاج مرض هوس الشراء

علاج مرض هوس الشراء

إن معرفة تشخيص الحالة المرضية هي أولى الخطوات التي تحمل في طياتها معرفة العلاج وآمال الشفاء من المرض.

فإذا كنت تعاني مرض هوس الشراء، وتشعر في قرارة نفسك بالاندفاع إلى الشراء القهري، فعليك زيارة الطبيب النفسي لبدء خطة العلاج التي ستغير مسار حياتك للأفضل.

لكن هناك بعض الخطوات التي يُفضَّل أن تبدأ بها علاجك قبل الذهاب إلى الطبيب النفسي، وهي:

  • قلل من تعرُّضك للمغريات.
  • اصنع لنفسك قائمة بالأشياء التي تحتاج إليها فقط قبل الذهاب إلى المتجر، ولا تَزِد عليها.
  • اصطحب أحد الأصدقاء الموثوقين ليمنعك من شراء ما يزيد عن حاجتك، ويُلزِمك بما أعددته في القائمة.
  • اِعتَد الانتظار فترة طويلة -تصل إلى ساعات- قبل الشراء كي تعتاد عدم الاندفاع خلف هوس الشراء.
  • سَل نفسك عند شراء كل سلعة، هل تحتاج إليها بالفعل أَمْ مجرد تريد شراءها فقط؟
  • عليك بتطوير طُرُقٍ لتحويل متعتك من الشراء القهري إلى أشياء أخرى أكثر متعة.
  • ابتكر طُرُقًا جديدة للتعامل مع مشاعر هوس الشراء التي تنتابك، وكيفية السيطرة عليها.

أما عن العلاج النفسي، فنذكره فيما يلي:

  • علاج المرض المسبب لهذا الاضطراب، كتناول مضادات الاكتئاب والقلق، في حالة معاناة المريض أيًّا منهما.
  • تناول مضادات السيروتونين (SSRI)، والتي أظهرت نتائج ممتازة في العلاج، وفي تقليل هوس الشراء.

ختامًا…

إذا كانت مشترياتك كثيرة ولكن تحتاج إليها كلها، فهذا لا يُعَدُّ من هوس الشراء، وعليك أن تقتصد ما استطعت، ولا تنجرف خلف مغرياتك.

المصدر
Oniomania--successful treatment with fluvoxamine and cognitive-behavioral psychotherapyPhenomenology and psychopathology of uncontrolled buyingA review of compulsive buying disorderCAUSES FOR COMPULSIVE SHOPPING`Compulsive Buying DisorderUnderstanding Compulsive Shopping Disorder
اظهر المزيد

د. محمود المغربي

صيدلي إكلينيكي، عملت في المجال الطبي لسنوات اكتسبت خلالها الخبرة الكافية بالإضافة إلى الخلفية الطبية القوية كصيدلي إكلينيكي. أهدف إلى مساعدة الناس على تحقيق حياة صحية أفضل من خلال إعطائهم معلومات دقيقة تستند إلى مراجع طبية موثوقة، بأسلوب كتابة سهل تتحول فيه المعلومات الطبية الأكثر تعقيدًا إلى كلمات سلسة تتدفق بسهولة في ذهن القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق