ترياق الأمراض النفسية

وسواس الرائحة الكريهة 

(Olfactory Reference Syndrome)

بدأت صديقتي (هدى) حديثها قائلة:

«منذ بدأت مرحلة البلوغ حتى بلوغي سن الثلاثين يهاجم أنفي رائحة كريهة تنبعث من جسمي، وتزعج هذه الرائحة من حولي! 

أفحص جسمي مرات كثيرة خلال اليوم، تركت وظيفتي، أرفض الزواج، أخشى المناسبات الاجتماعية…

لجأت إلى العديد من الأطباء لمعرفة سبب هذه الرائحة، لكنهم جميعًا نفوا وجود سبب طبي للرائحة الكريهة!

نصحني أحد الأطباء باستشارة طبيب نفسي، أخبرني الطبيب النفسي أن ما أعانيه هو “وسواس الرائحة الكريهة”!»

هل سمعت عن هذا من قبل؟

عزيزي قارئ المقال…

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

هيا نتعرف إلى هذا الوسواس، وأعراضه، وكيفية تشخيصه، والطرق المتبعة لعلاجه.

ما وسواس الرائحة الكريهة؟

هو اضطراب نفسي، يُعرف أيضًا بـ”مُتلازمة الإحالة الشمِّية”.

يتوهم المصاب به انبعاث رائحة كريهة من الفم أو الأنف أو الأعضاء التناسلية أو الإبط أو القدم أو الجلد عامة، وأن هذه الرائحة تزعج المحيطين به. 

يفسر المريض بهذا الوسواس تصرفات الآخرين بطريقة خطأ، فيظن أنهم يفتحون النوافذ أو الأبواب أو يلمسون أنوفهم بسبب ما يشمونه من رائحة كريهة. 

لكن الحقيقة هي أنه لا يوجد تطابق بين تصَور المرضى وتصَور الآخرين عنهم.

يصاحب هذا الاضطراب القلق والإحراج والانطواء، وربما العزلة الاجتماعية أو الانتحار.

يمكن أن يبدأ هذا الاضطراب من أول مرحلة البلوغ أو نهاية مرحلة المراهقة.

أسباب وسواس الرائحة الكريهة

أسبابه غير معروفة، لكنه قد يكون ناتجًا عن مزيج من العوامل الوراثية والعوامل الاجتماعية والاضطرابات النفسية الأخرى.

(برايس فيلبس) ووسواس الرائحة الكريهة!

عام 1971م وصف العالِم (برايس فيلبس) هذا الوسواس، عندما ذَكر مجموعة من المرضى أن أجسادهم تنبعث منها رائحة كريهة تزعج المحيطين بهم.

صنف الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-V) هذا الوسواس أنه نوع من “اضطراب الوسواس القهري”، لكنه لا يحتوي على معايير التشخيص الكاملة.

صنفه التصنيف الدولي للأمراض في إصداره الحادي عشر (ICD-11) أنه اضطراب جديد منفصل، يندرج تحت فصل “اضطراب الوسواس القهري”

أعراض وسواس الرائحة الكريهة

يتجه الشخص الذي يعانيه إلى أفعال متكررة تستغرق وقتًا طويلًا للقضاء على هذه الروائح الوهمية، فيؤدي ذلك إلى الإجهاد والضغط النفسي الذي يتسبب في تغيرات كيميائية حيوية ينتج عنها رائحة حقيقية.

تشمل هذه الأعراض:

  1. الانشغال برائحة الجسم:

الصفة الأساسية لوسواس الرائحة الكريهة هي انشغال الأشخاص المصابين به بانبعاث رائحة كريهة من مناطق من أجسادهم، مثل:

  • الفم.
  • الإبط.
  • القدم. 
  • الجلد عامة. 

ويكون بعضهم ليس متيقنًا من مصدر هذه الرائحة.

يشكو المرضى أن الرائحة تشبه رائحة إفرازات الجسم الطبيعية ومخرجاته، مثل: البول والبراز والعرق أو الإفرازات المهبلية أو السائل المنوي. 

لكن يصفها بعضهم بأنها رائحة غير طبيعية أو كيميائية، مثل: الأمونيا أو الجُبْن الفاسد.

  1. السلوك المتكرر:

مثل:

  • الإفراط في استخدام منتجات العناية الشخصية من مزيلات العرق وغسول الفم.
  • الإفراط في الاستحمام.
  • الإفراط في تغيير الملابس.
  • الفحص المتكرر للجسم.
  1. العزلة الاجتماعية:

من مظاهرها:

  • فقدان الوظيفة أو تغيير الوظيفة باستمرار.
  • كثرة التغيب عن الدراسة.
  • تجنب المناسبات الاجتماعية.
  • الخجل الشديد والاكتئاب والقلق. 
  • الانتحار. 
  1. التفكير المرجعي:

يَظهر في سوء تفسيره لسلوك الآخرين، إذ يعتقد أنهم ينظرون إليه بازدراء بسبب رائحته. 

التشخيص

تتسبب بعض الحالات الطبية في ظهور رائحة جسدية واضحة، ومن ثم يحتاج المريض إلى فحص طبي كامل لاستبعاد “وسواس الرائحة الكريهة”.

أولًا: الحالات الطبية العامة:

بعض الحالات الطبية يصاحبها انبعاث رائحة جسدية كريهة حقيقية، منها:

  • فرط التعرق.
  • خراج الأسنان.
  • مشكلات الأنف والأذن والحنجرة.
  • إصابات الجهاز البولي التناسلي، مثل: خراج المستقيم والناسور الشرجي.
  • متلازمة رائحة السمك: اضطراب نادر يؤدي إلى عجز الجسم عن استقلاب مرَكب ثلاثي ميثيل الأمين (له رائحة السمك)، مما يؤدي إلى تراكمه في الجسم ثم خروجه مع العرق أو البول.

ثانيًا: الحالات النفسية:

بعض الاضطرابات النفسية يصاحبها هلاوس شمية، مثل:

  • بروميدروفوبيا (Bromidrophobia): رهاب الخوف من رائحة عرق الجسد أو أجساد الآخرين.
  • الفصام: بالإضافة إلى أعراض الفصام الأخرى، يكون لدى المريض هلاوس شمية.
  • أمراض الفص الصدغي: تعد الهلوسة الشمية أكثر انتشارًا في أمراض الفص الصدغي في المخ، وفيها يشم المريض روائح غريبة لا يشمها غيره.

معايير تشخيص وسواس الرائحة الكريهة

  1. توهم مستمر بانبعاث رائحة جسدية كريهة يدوم أكثر من ستة أشهر.
  2. ينشغل الفرد ساعة واحدة أو أكثر في اليوم بالفحص المتكرر لجسده.
  3. يتسبب في العديد من الأعراض، مثل: الخجل والاكتئاب والقلق والعزلة الاجتماعية.

علاج وسواس الرائحة الكريهة

لا يوجد خطة علاجية متفق عليها، ولكن وجد أن هذه الوسائل تحسن الأعراض:

  1. العلاج الدوائي:

باستخدام:

  • مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين (SSRIs): تساعد على تقليل القلق والأفكار الوسواسية والسلوكات القهرية.
  • مضادات الذهان غير النمطية.
  1. العلاج السلوكي المعرفي (CBT): 

هو أحد أساليب العلاج النفسي، يساعد المريض على تعديل أفكاره السلبية. استخدم في علاج العديد من الأمراض النفسية، مثل: 

  • الاكتئاب.
  • اضطراب ما بعد الصدمة.
  • اضطراب الوسواس القهري.

الهدف منه:

  • تغيير معتقدات المريض والطريقة التي يفكر بها. 
  • مواجهة المخاوف بدلًا من تجنبها.
  • التحكم في السلوك المتكرر بأنشطة مفيدة، مثل: الحياكة والرسم وغيرهما.
  • إيقاف الأفكار السلبية، وتشجيع المريض على رؤية نفسه بإيجابية.

في الحالات الشديدة يجمع الكثير من الأطباء بين العلاج الدوائي والعلاج السلوكي المعرفي.

  1. العلاج الطبي غير النفسي:

يسعى معظم الأشخاص الذين يعانون وسواس الرائحة الكريهة إلى العلاج الطبي للتخلص من رائحة الجسم الوهمية. 

لكن معظمهم لا يستشير أطباء نفسيين، وإنما أطباء الأسنان أو أطباء الأمراض الجلدية أو أطباء الأنف والأذن والحنجرة أو غيرها من التخصصات.

وقد يخضعون لعمليات استئصال اللوز أو للكثير من الفحوص غير المجدية للتخلص من رائحة الفم الكريهة.

يفيد الفحص العصبي باستخدام مخطط كهربية الدماغ (EEG) وغيره من تقنيات في استبعاد أمراض الفص الصدغي في المخ.

وختامًا، عزيزي القارئ…

لا تترك نفسك فريسة لرائحة وهمية لا وجود لها، واستشر طبيبك، واتَّبع إرشاداته تسعد بحياتك. 

كتبته: رضوى مجدي الحلو 

المصدر
مصدر 1مصدر 2مصدر 3
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى