علماء ومشاهير

3096 يومًا من الاختطاف انتهت بالتعاطف!

هل تخيلت للحظة أن تتعاطف مع عدوك؟! 

أو أن تجد مبررًا لفعلته ولا تتمنى له الموت؟!

أكاد أسمعك -عزيزي القارئ- وأنت تقول: «بالطبع لا!».

ولكن، صدق أو لا تصدق!  

حدثت بالفعل!

تَعرف إلى تفاصيل القصة كاملة في هذا الترياق، من سلسلة “جرائم نفسية!”…

آخر يوم للحرية! 

الزمان: مارس 1998 م.

المكان: فيينا – عاصمة النمسا.

كنت في العاشرة من عمري، حينما سمحت لي أمي بالذهاب إلى المدرسة بمفردي أول مرة… 

وفي منتصف الطريق إلى مدرستي، لاحظت رجلًا يقف بجوار شاحنة نقل، بدا أنيقًا ومحافظًا…

[هكذا قالت (ناتاشا كامبوش) بطلة القصة.] 

كانت تنوي أن تعبر الطريق، لكنها لم تفعل، واستمرت في اتجاهها نحوه، ولم يخطر ببالها عند هذه اللحظة أنه سيكون أسوأ قرار في حياتها! 

تروي (ناتاشا): 

«كل شيء حدث في غمضة عين! 

في اللحظة التي أخفضت فيها رأسي وأكملت في طريقي، أمسك بي (وولفجانج بريكلوبيل) من خصري ودفعني بقوة إلى داخل الشاحنة… 

حاولت أن أصرخ، ولكن لم يصل صوتي إلى أحد! 

لم أكن أعلم ماذا سيحدث، ولكني في هذه اللحظة أدركت أنها النهاية!» 

«ما مقاس حذائك؟» 

«كم عمرك؟» 

«هل أنت متزوج؟» 

هل لديك أطفال؟»… 

هكذا كانت كلماتها الأولى لخاطفها وهي مستلقية في الشاحنة، في محاولة ساذجة منها لتجميع معلومات عنه! 

وحدي في القبو! 

قادها الجاني إلى منزله في ضاحية مزدهرة تسمى (ستراشوف)، وحملها إلى قبو صغير جدًا مساحته لا تتعدى خمسة أمتار مربعة، كان القبو أسفل باب سحري في المرأب، وكان من الواضح أنه قضى وقتًا طويلًا في تجهيزه.

ألقى بها في القبو، وانتزع منها حقيبتها المدرسية؛ خوفًا أن يكون بداخلها جهاز تسجيل، ثم رحل! 

أصبحت (ناتاشا) حينها غير قادرة على تمييز النهار والليل، ولم يكن بإمكانها التواصل مع خاطفها إذا أرادت شيئًا، لم تكف عن الصراخ والبكاء وطرق الباب… لكن لا حياة لمن تنادي! 

بداية العلاقة

قضت الطفلة ليلتها الأولى في ذاك القبو الموحش الممتلئ بالحشرات، الذي ينتشر العفن في كل أرجائه، حيث لا نافذة ولا ضوء ولا سرير، محاطة بجدرانه العازلة للصوت… شعرت (ناتاشا) بأنها مومياء مدفونة في أعماق الأرض! 

لم تكن الأمور بينهما معقدة في بدء الأمر، كان يحضر لها الطعام الفاخر والألعاب باهظة الثمن ويروي لها القصص؛ كوسيلة تتكيف بها مع الوضع الجديد… شَعرت حينها أنها تبدو أصغر سنًّا! 

تقول (ناتاشا): 

«كان لا يسمح لي بالخروج من الغرفة أو الذَّهاب إلى الطابق العلوي؛ خشية أن أهرب أو أن أعتدي عليه باستخدام أداة حادة.» 

التحول في العلاقة

مرت شهور تأقلمت فيها الصغيرة على الوضع الجديد، وفي أحد الأيام تذكرت قصةً من زمن الحرب عن نساء تجنبن الاغتصاب بحيل مختلفة، فخطرت لها فكرة وضع قشر الليمون على جلدها لتدعي إصابتها بمرض معدٍ، مما يبعده عنها، لكنه اكتشف هذه الحيلة، وبدأت شخصيته الحقيقية في الظهور… 

أصبحت الأمور تزداد غرابة! 

استخدم مبدأ الترهيب، بدأ بضربها بعنف، ومنع الطعام عنها، وتركها في الظلام الحالك فترات طويلة! 

ومن ثم شرع في بناء جهاز اتصال داخلي؛ حتى يصرخ فيها من غرفته في الطابق العلوي! 

أصبح يكلفها بأعمال يدوية شاقة كتنظيف المنزل بالكامل، وكان لا يسمح لها بالتحدث إلا بإذن، وكلما حاولت التمرد كانت الأمور تزداد سوءًا… 

وبعد سن البلوغ، كان يتعامل معها «كما لو كنتُ قذرة ومثيرة للاشمئزاز» -على حد وصفها-، وكان يركلها في ساقيها أو يلكمها عندما تمشي بجانبه! 

قالت (ناتاشا): «لقد عرضني أيضًا لاعتداءات جنسية بسيطة كجزء من مضايقاتي اليومية!» 

لحظة الحرية

مرت سنون تعرضَت فيها للضرب باستمرار، وحاولت الانتحار مرارًا وتكرارًا حتى بلغت ثمانية عشر عامًا. 

وذات يوم، تركها (بريكلوبيل) وحيدة في حديقة المنزل لتنظيف الشاحنة بينما كان يتلقى اتصالًا هاتفيًا، فما كان منها إلا أن اتجهت مسرعة نحو البوابة، وبدأت في الركض مذعورة تستنجد بالمارة… 

بعد خمس دقائق من الهروب، طرقت باب عجوز، وأخبرتها أنها (ناتاشا كمبوش) وروت لها قصتها… 

بادرت العجوز بالاتصال هاتفيًّا بالشرطة التي قدمت على الفور، وتعرفت إليها من خلال تحليل الحمض النووي (DNA).

نهاية وولفجانج بريكلوبيل

«إذا هربتِ فلن أتركهم يقبضون عليَّ حيًّا!»… قالها (بريكلوبيل) مهددًا (ناتاشا) ذات مرة.  

عاد (بريكلوبيل) بعد أن أنهى مكالمته الهاتفية، ليكتشف هروب أسيرته بعد ثمانية أعوام من الترهيب والتعذيب النفسي والجسدي والجنسي… 

أيقن وقتها أنه لا مفر من المحاكمة، فألقى بنفسه على قضبان السكة الحديدية، حتى هشم القطار رأسه وأودى به قتيلًا في الحال! 

لتخط السطور الأخيرة لأطول عملية اختطاف في التاريخ! 

التحليل النفسي لشخصية (ناتاشا كمبوش) 

انهالت على (ناتاشا) العديد من عروض المساعدة، من توفير المسكن والطعام والمال، لكن سرعان ما توقفت تلك العروض حين رفضت (ناتاشا) لعب دور ضحية منكسرة تستجدي المساعدة من الآخرين! 

بل زاد الطين بلة عندما أعلنت تعاطفها مع خاطفها ومسامحتها له؛ مبررة ذلك بأنه من الطبيعي أن يحدث حالة من التعاطف والتأقلم بينها وبين آسرها الذي عاشت معه أكثر من ثمانية أعوام.

أثار ذلك الرأي غضب الناس، ورأى بعضهم أنها تستحق الحبس من جديد، بل ورجح بعضهم أنها تعاني “متلازمة ستوكهولم“! 

ما متلازمة ستوكهولم؟

هي حالة نفسية تنشأ  نتيجة حدوث ارتباط نفسي أو عاطفي بين الضحية وخاطفها أو المعتدي عليها. 

ويرجع أصلها إلى عام 1973 م عندما اقتحم مسلحون مجهولون أحد بنوك العاصمة السويدية (ستوكهولم)، واحتجزوا رهائن من موظفي البنك للمطالبة بفدية مالية، وعند القبض عليهم تعاطف معهم الرهائن، بل وخصصوا مبلغًا ماليًا للدفاع عنهم! 

فسر بعدها علماء النفس هذه الظاهرة بأنها استجابة نفسية، وأطلقوا عليها اسم “متلازمة ستوكهولم”. 

برأيك -عزيزي القارئ-، ما الذي دفع (ناتاشا) إلى التعاطف مع من سرق طفولتها وأفسد حياتها؟

كتبته د.منى كرم

المصدر
مصدر 1مصدر 2
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق